تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما حظوة قلة من الأرقاء بالتقدير، واقتدار قلة أخرى على التحرر من إسار العبودية فمن مظاهر الجدل الإنساني، وهو يرقى بالعبيد والإماء رقياً يسيراً، فليس في الجاهلية ما يوجب تحرير العبيد، وليس فيها ما يغري بتحريرهم، وكذلك لم يكن لدى العبيد ما يجمع كلمتهم، ويوحد موقفهم في موجهة عنت السادة وظلمهم؛ فسحيم عبد بني الحسحاس كان همه الأول أن يكون معشوقاً للحرائر؛ وعنترة العبد الهجين حرر نفسه، واحتال لتحرير أخوته لأنه من العبودية((1))، ولكنه لم يسع إلى تحرير أمثاله من العبيد، ولا إلى تحسين أوضاعهم، بل انسلخ عنهم، وعبر بشعره عن احتقار اللون الأسود، وهو رمز للعبودية في الجاهلية، متناسياً أنه هجين أسود((2))؛ وأما السليك، وكان هجيناً أسود، فقد تعاطف مع خالاته (الإماء)، وأشفق عليهن، ولكنه عجز عن تقديم يد العون لهنّ.

تلك جهود مشتتة تعبر عن تطلعات المنتمين إلى طبقة الأرقاء نحو الأفضل، وهي تطلعات يسيرة، تدل على أن الأرقاء- وكذلك بقيةب المستضعفين- كانوا بحاجة إلى جهد منظم، وعقيدة جامعة تنير قلوبهم وعقولهم، وتلزم الأحرار الأقوياء بإنصاف المستضعفين إنصافاً تتحقق به إنسانيتهم، وتقوى به فرص اندماجهم في الحياة العربية اندماجاً عضوياً، يتطور به المجتمع وتتحقق وحدة أبنائه على نحو أفضل.

3- الحلف والجوار

إن ظاهرة الحلف والجوار من أبرز ما يدل على التفاعل الإنساني النشط في المجتمع الجاهلي، فيها تطور الانتماء النسبيّ، وسار الإنسان الجاهلي خطوات تجاه تكوين مجتمع الأمة المهيأة للتوحيد.

1- الحلف:

((

(1) انظر شرح ديوان عنترة ص75- 77.

(2) انظر المصدر السابق 146.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٣٢