تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد وجد بعض العبيد فرصاً بطرق ارتضاها سادتهم. وثمة فئة تحدّت إرادة السادة، فهربت من كنفهم رغبة في التحرّر من العبودية؛ فقد هرب حبيب الهذلي من مالكه في الشام إلى أرض قومه في الحجاز، وقال في ذلك((1)):

ولقد نَظَرْتُ ودُونَ قومي مَنْظرٌ ... منْ قَيْسَرونَ فبلقعٌ فسلابُ

فجبالُ أيلة فالمحصَّبُ دوننا ... فألاتُ ذي علجانةٍ فذهابُ

فحسبتُ أني قد بدا لي طوْدهُمْ ... كفراً على أشرافِهِنَّ ضبابُ

ولقد سريتُ الليلَ في مُتهالكٍ ... حيران لا تَسرْي به الأتبابُ

ولقد وردتُ الماءَ أكثرُ وردِهِ ... وخْطُ السِّباعِ كأنَّها النشَّابُ

وإذا كان ابتعاد المستعبد بالأسر عن أسريه كافياً لتحرره فإن حال غيره من المستعبدين كانت لا تسر، فالعبد قد يدفعه ظلم مالكه إلى الهرب((2)):

كالحبشيينِ خافَا من مليكهما ... بعضَ العذاب فجالاَ بعدما كتفا

لقد كُتف هذان الحبشيان، وهما يترقبان سوء العذاب من سيدهما، ولكنهما حلا وثاقهما وانطلقا هاربين، فإلى أين يهرب العبد الحبشي وأمثاله؟ أعتقد أنه يهرب من عبودية إلى أخرى؛ فلونه يفضحه، والدنيا حوله ملأى بالطامعين باستعباد أمثاله ممن لا ناصر لهم، ولا معين إلا جماعات من صعاليك الصحراء، وذؤبانها الذين يعيشون على القتل وسفك الدماء.

وقد يخفق العبد في الهرب من سيده، فيكون بانتظاره عظيم العذاب يقول البُرْجُ بنُ مُسهرٍ الطائي((3)):

(1) شرح أشعار الهذليين 2/870 والكفر: العظيم من الجبال. وأشرافهن: أعاليهن. ووخط السياع: آثارهن. وكان حبيب قد أسر في الجاهلية، فاشتراه رجل من أهل الشام. وكان الهرب إحدى وسائل تحرر الأسرى المستعبدين. وكذلك تحرر بعض الأسرى بالفداء أو بالمن أو باستخلاصهم من آسريهم بالقوة.

(2) شرح ديوان كعب ص85 والبيت في وصف نعامة وظليما بالسرعة، وجالا: فرّا.

(3) الوحشيات ص221. وجديلة والغوث: بطنان من طيء. والآبق: العبد الهارب من مالكه.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٢٩