إن معاملة الأحرار الحسنة للإماء الحسناوات وللعبيد الأقوياء ترجع إلى إدراك الأحرار أن مصالحهم تتحقق على نحو أفضل بتلك المعاملة، وفي ذلك مكاسب لأولئك العبيد والإماء أيضاً. وكان لتلك المعاملة الحسنة مظهر متطور تمثل في إفساح المجال أمام الرقيق لتطوير انتمائهم بالتحرر من العبودية بالمكاتبة، أو بالتبني أو بتأدية خدمات حربية جليلة؛ فالمكاتب يتفق مع سيده على أن يشتري حريته بمبلغ من المال، فيسمح له سيده بالعمل حتى يجمع المال، وينال حريته((1))، وأما التَّبنيّ فيكون بإعلان السيد أنه اتخذ عبده ابناً له، وبذلك يغدو العبد حراً، ويلتصق نسبه بنسب سيده((2))، ويغدو صريحاً في عرف أبناء مجتمعه، وأمّا العبيد الشجعان فنال بعضهم حريته بشجاعته وجرأته((3))، ونال بعضهم بشجاعته وقوته الحرية والنسب الصريح((4)). وكذلك ارتقى بعض العبيد إلى منزلة السيادة بأخلاقهم، ومنهم عصام بن شهير، حاجب النعمان بن المنذر، وعصام هو القائل في رواية((5)):
نفسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عصاما ... وَعَلَّمَتْهُ الكَرَّ والإقدامَا
وصَيَّرتهُ ملكاً هُماما
(1) انظر المعارف ص317، وتاريخ العرب القديم ص339، وتاريخ العرب قبل الإسلام ص265.
(2) من ذلك تبني الرسول (ص) في الجاهلية لزيد بن حارثة. انظر شعر قريش ص.
(3) من ذلك أن وحشيّا قتل حمزة (رض) ليعتق من العبودية. انظر سيرة ابن هشام 3/22.
(4) من ذلك أن عنترة تحرر من العبودية، وأُلحق بنسب العبسيين.
(5) ربيع الأبرار 3/6-7، وفيه قول النعمان عن عصام: ((ما أنا قدمته، وإنما قدمته الأخلاق السرية (الشريفة) المجتمعة فيه)).