وكان للإماء غير الحبشيات (السوداوات) منزلة تفوق غيرهن لبياض بشرتهن المحببة إلى العرب، ولخبرتهن في مجال الخدمات((1))، وقد لقيت تلك الإماء معاملة حسنة، ولاسيما في بلاط الغساسنة، ومن الشعر المعبر عن ذلك قول حسان بن ثابت يمدح جبلة الغساني((2)):
قَدْدَنا الفصحْ فالولائدُ ينـ ... ـــظمنَ قُعُوداً أكَلةَ المَرْجانِ
يَجْتَنبنَ الجاديَّ في نُقَب ... الرِّيطِ عليها مَجَاسِدُ الكتَّانِ
فهؤلاء الولائد يعشن في ترف ونعيم، ينظمن العقود، ويُضَمَّخْن بالزعفران، ويلبسن الثياب الرقيقة. وقد وصف النابغة ولائد الغساسنة بأنهن بيض يحسنَّ خدمة الملوك((3))، ولأنهن يخدمن الملوك لم يقمن بالأعمال المجهدة الوضيعة كجمع الصمغ ونقف الحنظل((4))، وقد لقيت أمثالهن ممن كنَّ في حوزة سادات القبائل معاملة مشابهة، ومن الشعر الدال على ذلك قول سلامة بن جندل((5)):
وعندنا قَيْنَةٌ بَيْضاءُ ناعمَةٌ ... مِثْلُ المهاةِ، من الحُورِ الخَراعيبِ
تُجْري السِّواكَ على غُرٍّ مُفَلَّجةٍ ... لم يَغُزها دنسٌ تحتَ الجلابيبِ
(1) انظر تاريخ العرب القديم ص338- 339.
(2) ديوان حسان ص323. والجادي: الزعفران. والنقب: حمع نقبة، وهي ثوب كالإزار. والريط: ثياب رقيقة بيضاء. والمجاسد: جمع مجسد، وهو الثوب الملامس للجسد وانظر افتخار امرىء القيس بجاريتيه المنعمتين في ديوانه ص110.
(3) انظر ديوان النابغة ص63.
(4) انظر ديوان حسان 123، 323.
(5) ديوان سلامة ص227- 228. الخراعيب: اللينات المتثنيات من نعمتهن. وانظر شرح ديوان لبيد ص66.