تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر من الأبيات أن العبد المذكور كان دليلاً لقوم الشاعر الذين تخوَّفوا، وهم يسيرون ليلاً، أن تتأذى حوافر خيولهم من المسير فوق الأرض الصلبة، وأنهم طلبوا من عبدهم الدليل أن يسلك بهم الأرض السهلة، وحرصاً على قيام العبد بما أوكل إليه بدقة أجبروه على خلع نعله كي يتوخى السهل وقاية لنفسه من الأذى، وقد وعدوه أن يركب حين يصل عُقبة، ولكن ذلك العبد المسكين أدمت خيل السادة الذين يسيرون وراءه ويحثونه عقبيه، كما أدمى الحفا أصابع رجليه قبل أن ينال ما وعدوه به.

إن الافتخار بالشدة على العبد يظهر قسوة بعض السادة وعدم إنسانيتهم، ويوحي بنظرتهم الدونية إلى العبيد. وثمة أشعار جاهلية كثيرة تفصح عن اضطهاد الصرحاء واحتقارهم للعبيد؛ فقد نسب إلى أبي دؤاد الإياديّ قوله((1)):

والعبدُ يُقْرعُ بالعَصَا ... والحُرُّ تكفيهِ المقالهْ

وفي هذا القول ما يدل بوضوح على منزلة العبيد؛ فالعبد يؤدب بالضرب والإهانة، والحر يؤدب بالقول والإشارة. والأحرار لا العبيد جديرون بالأفعال المجيدة((2))، فإن صدر عن أحد العبيد فعل من الأفعال التي يفخر بها الصرحاء الأحرار كان فعله مستغرباً؛ فحين أنشد سحيم عبد بني الحسحاس الشعر وأجاد فيه قيل: ((أعبد بني الحسحاس يُزْجي القوافيا))((3))، وحين حمل صؤاب العبد لواء سادته يوم أحد قال حسان يهجوهم بذلك((4)):

فخرتُمْ باللّواءِ وشَرٌّ فَخْرٍ ... لواءٌ حين رُدَّ إلى صُؤابِ

جَعَلْتُم فَخْرَكَمْ فيه لِعْبدٍ ... مِنَ الأمِ مَنْ يطا عفرَ التُّرابِ

وإذا تزوج العبد فقد يقال لزوجه((5)):

أمِنْ حذرِ الهُزالِ نكحتِ عبداً ... وصَهِرُ العبدِ أقَرَبُ للهُزالِ

(1) دراسات في الأدب العربي ص333.

(2) انظر شرح ديوان عنترة ص146.

(3) ديوان سحيم ص25.

(4) ديوان حسان ص372.

(5) المعاني الكبير 3/1235. والبيت لعروة بن الورد.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٢٤