وثَمّة مظاهر أخرى لنظرة الصرحاء الدونية إلى الإماء؛ فابن الصريحة الحصان جدير بالمكارم التي يعجز عنها أبناء القيان((1))، والذين يهربون في ساحة الحرب يشبهون أقفية الإماء((2))، والذين يغدرون يشبهون إماءً يعملن بالنسيج((3))، والذي يكتشف أن زوجه الصريحة أمة يطلقها((4))، والإماء- عدا القيان منهم- تنفر النفوس من سوادهنْ وقبحهن((5)). وكان حال العبيد مشابهاً لحال الإماء، إذ كلفوا بالأعمال الشاقة التي يرغب عنها الصرحاء، وكانت قلوب بعض السادة على عبيدهم كالحجارة أو أشدَ قسوة، ومن الشعر الدال على ذلك قول مالك ابن حريم الهمداني يفتخر((6)):
ونَخْلَعُ نَعْلَ العبدِ من سُوءِ قَودِهِ ... لكيْما يكونَ العَبْدُ للسَّهلِ أضْرَعَا
وقد وعدوهُ عقبةً فمشى لها ... فما نالها حتى رأى الصبح أدرعا
وأوسعن عقبيهِ دماءً فأصبحتْ ... أصابعُ رجليه رواعِفَ دُمَّعَا
(1) انظر شرح أشعار الهزليين 1/151، 2/157. وافتخر قيس بن الخطيم (ديوانه ص91) بأن قومه في الحرب يقتلون أمثالهم من السادة الصرحاء، ويعفون عن أبناء الإماء الحواطب أنفة من منازلتهم.
(2) انظر ديوان عمرو بن كلثوم ص37.
(3) انظر ديوان امرىء القيس ص453.
(4) انظر ديوان حسان ص204 ولمزيد من تشبيه الصرحاء المذمومين بالإماء انظر ديوان امرىء القيس ص130، وديوان زيد الخيل ص63.
(5) انظر ديوان عمرو بن قميئة ص200، وديوان حسان ص247، 261.
(6) الأصمعيات ص65- 66. والأضرع: الأدنى. ووعدوه عقبة: وعده سادته أن يركب بعد أن يسير نوبته أو بعد أن يصل عقبة. والعُقبة: النوبة أو اسم موضع. والأدرع: ما فيه بياض وسواد. ومن قسوة السادة على عبيدهم أن العبد قد لا يجد ما يلبسه (انظر ديوان سحيم ص25). وقد تشوه خلقته بأفعال منها قطع أذنيه (انظر شرح ديوان عنترة ص163).