وفجور الأمةِ ليس فطرة، ولكنه إرث ظروف اجتماعية واقتصادية تدفع بالأمة إلى الخضوع لرغبات من له سلطة عليها، رغبت في ذلك أم لم ترغب، وأوضح دليل على ذلك أن بعض السادة أكرهوا إماءهن على المساعاة، وكسبوا بفجورهن((1))، وأن الملوك والسادة كانوا يتهادون القيان((2)). وهنّ إماء محببات لاشتغالهن بما يقود إلى الفجور، فهن يرقصن ويغنين ويعزفن ويسقين الخمر((3))، وبذلك يظهر تعصب الصرحاء على الإماء، وظلم المجتمع الجاهلي لهنّ؛ فالسادة الصرحاء سبب رئيس في دفع الإماء إلى البغاء، وذمّ الإماء بالبغاء مردود أكثره على أولئك السادة.
(1) انظر المحبر ص340، واللسان: (سعا)، والمفصل في التاريخ العرب 5/561. وافتخر الأعشى (شرح ديوانه ص67، 77) بفجوره بالإماء المساعيات.
(2) انظر أشعاراً دالة على ذلك في ديوان أوس ص102، وديوان بشر ص38- 39، 155- 156، 174، وديوان شعر حاتم ص158، وشرح ديوان الأعشى ص258، 301، 365.
(3) كَثُر افتخار الجاهليين بامتلاك القيان، وإتيان مجالسهن للاستماع إليهن، وللاستمتاع بهنّ. انظر ديوان امرىء القيس ص86، وديوان بر ص119، وديوان حسان ص123، وديوان سلامة ص227- 228، 234، وديوان طرفة ص29- 30، وديوان عبيد ص25، وديوان عدي ص78، وشرح ديوان الأعشى ص69- 94- 214، 232. وقد سرق بعض فتيان مكة غزال الكعبة، وافتخر أحدهم بأنهم أعطوا شنفه وقرطه لقينتين من قيان مكة (انظر ديوان حسان ص291).