إن الإنتماء إلى طبقة الحرفيين لم يكن ذلاًّ مطلقاً؛ فقد ظهرت نتيجة التطور الاقتصادي إرهاصات تقدير العمل اليدويّ، واحترام أصحاب الحرف والمهن، فتطامنت بذلك حدّة غلواء العصبية إلى النسب، ولكن المغالين في التعصب ظلّوا يقومون بما يعوق استقرار المجتمع وتطوره السلمي؛ فقد حملت تلك الفئة راية العداء لكلّ حرفة، ورأت أن السيف هو الطريقة المثلى للكسب؛ فقوم عوف بن عطية يكسبون بالغزو لا بالرعي في قوله((1)):
غَزَوْنا العدوَّ بأبياتنا ... وراعي حَنِيفةَ يَرْعَى الصّغارا
فَشَتانَ مُخْتَلفٌ بَالُنا: ... يُرعّي الخَلاءَ، ونَبْغي الغِوارا
وقوم العباس بن مرداس يكسبون بالغزو لا بالزراعة في قوله((2)):
فأمّا النخيلُ فليست لنا ... نَخيلٌ تُسَقَّى ولا تُؤْبَرُ
ولكنَّ جَمْعاً كجِذْلِ الحِكا ... كِ فيه المُقَنّعُ والُحّسرُ
وقوم الممزق لا يتجرون للسمن ولكن للقتال((3))، وتجارة قوم حاتم قود الجياد إلى أرض العدو في قوله((4))
إنَّا تجارَتُنا قودُ الجياد إلى ... أَرضِ العَدُوِّ، وإِنّا نَقْسِمُ النّفَلاَ
إن هؤلاء الشعراء الصرحاء يعوقون التقدم بلسانهم وسيوفهم وفكرهم، فهم يأنفون من الرعي ومن الزراعة ومن التجارة، وأحْر بهم أن يأنفوا بشدة من المهن الأخرى، وهم لا يرتضون أن يكسبوا بغير سيوفهم التي تسرق وتخرّب ما يبنيه المجدون العاملون، وتزرع الانقسام، وتثير الفتن والحروب.
(1) شرح اختيارات المفضل 3/1665. وأبياتنا: أشرافنا. والصّغار: نبت تسمن عليه الخيل والخلاء: الرطب من النبات. وانظر مثل ذلك في ديوان ذي الإصبع ص63، وديوان عامر ص14، وديوان أبي قيس ص63- 64.
(2) ديوان العباس ص65. وجذل الحكاك: عود ينصب للإبل الجربى لتحتكّ به. ويضرب مثلاً لمن يُلجأ إليه، ويستغنى برأيه.
(3) انظر شرح اختيارات المفضل 3/1300.
(4) ديوان شعر حاتم ص193.