فالخنساء ابنة سيد قومها تترك التزين، وتباشر بنفسها مداواة انفق جرب بالقطران، ودريد بن الصمة، وهو سيد قومه، يعجبه ذلك ولا يرى فيه ما يعيب الخنساء. وافتخر عبد الله بن سُليم الأزدي بأنه يحضّر الأدوية اللازمة لمداواة الجمال من الجرب، ويقوم بعلاجها بما يعجز عنه الطبيب الحاذق، يقول عبد الله((1)):
ولقد أداوي داءَ كل مُعَبّدٍ ... بعَنيةٍ غَلَبَتْ على الّنطيّسِ
تلك صور من مواقف الجاهليين المتباينة من المهن اليدوية، تبرز تفاعل الناس، وترسم بعض الخطوات في حياتهم، وفي تنتقل من طور إلى آخر. وقد أبرزت مواقف الفئة المقدرة للمهن الجانب المتطور والمستنير من الحياة الجاهلية، وذلك في مواجهة مواقف الذين احتقروا تلك المهن، واستهانوا بأصحابها لأنهم فقراء؛ فالشّماخ بيدي إعجابه بامرأة لأنها منعمة، ولا تعمل بالحياكة، في قوله((2)):
مُنَعَّمَةٌ لم تَلْقَ بُؤْسَ مَعِيشَةٍ ... ولم تَغْتَزلْ يوماً على عُودِ عَوْسَجِ
ولكن فقر أصحاب المهن لم يكن سبباً وحيداً لهجائهم بل كانت أصولهم الوضيعة (غير الصريحة) سبباً لا يقل أهميّة عن الفقر؛ فخداش بن زهير يعتدّ على امرأة عطارة من دارين (نسبها غير صريح) بأنه من بني عامر، يقول خداش((3)):
فإني امرؤٌ من بني عامرٍ ... وإنكِ داريَّةٌ ثيتَلُ
(1) قصائد جاهلية نادرة ص207. والمعبد: بعير جرب، فذهب وبره. والعنية: مستحضر سائل يُعالج بها الجرب. والنّطيّس: الطبيب الحاذق. وافتخر أوس بن حجر (ديوانه ص111) بأنه ((طبيبٌ بما أعيا النطاسي حِذْيما)).
(2) ديوان الشماخ ص74.
(3) أشعار العامريين الجاهليين ص41. والدارّية: العطارة، نسبة إلى دارين. والثيتل: المسنّ من الوعول والضخم لا خير فيه.