تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأبرز تقديراً كبيراً لذلك الصانع الحاذق، فهو ليس بنكرة، بل له كنية (أبو عجلان)، وفي الكنية تقدير واحترام، وهو فتى القوم، وتلك التفاتة من الأعشى تدل على اعتماد القوم على ذلك الصانع اعتماداً أجاز لشاعرهم أن يقول فيه ما قال.

وكذلك حظيت المرأة الصناع بالتقدير؛ فهي حاذقة بأعمال يدوية منها نسج الحصر((1))، وصقل الجلود((2))، وقد مدح أبو شهاب المازني امرأة يحبها بقوله((3)):

صَنَاعٌ بإشَفاها، حصانٌ بشكْرِهَا ... جَوَادٌ بِقُوتِ البَطْنِ والعِرْقُ زاخِرُ

إنها حصان، جواد، كريم نسبها، وهي قبل ذلك صناع تحسن خرز المزاود والقرب والأساقي وأشباهها.

لقد أدركت فئة من الجاهليين أهمية العمل اليدويّ، وشدّة الحاجة إليه. فلم تأنف من مزوالته، ولم تأبه لاستهجان من يعيبها لذلك؛ فحين هجا يزيد الصعق رجلا من بني أسد بقوله: ((ولعْتُمْ بِتَمرينِ السّياط)) أجابه الأسدي((4)):

أَعِبْتَ علينا أن نُمَرّنَ قِدّنا ... وَمَنَ لا يُمَرّنْ قدَّهُ يتقطَّعِ

فالأسدي لا ينفي اشتغال قومه بتمرين السياط، بل يقرّ بذلك، ويبين أهمية العمل في توفير مستلزمات الحياة.

وثمة أعمال يدوية قام بها الرجال والنساء حفاظاً على أموالهم من الضياع؛ فقد أبدى دريد بن الصمة إعجابه بالخنساء، وقد رآها تطلي بعيراً أجرب بالقطران، فقال((5)):

ما إنْ رَأيْتُ ولا سَمعتُ بهِ ... كاليومِ طَالي أينقن جُربِ

مُتبذِلاً تبدْو مَحَاسِنُهُ ... يَضَعُ الهنَاءُ مواضِعَ النّقْبِ

(1) انظر شرح ديوان كعب ص92، 156.

(2) انظر شعر النمر ص85.

(3) شرح أشعار الهذليين 2/695. والإشفى: المثقب تخرز به المزاود والقرب وغيرها.

(4) الأصمعيات ص144- 145. وتمرين السياط: تليينها بالدهن ونحوه. والقدّ: سير يقدّ من جلد غير مدبوغ.

(5) ديوان دريد ص34. والهِناء: ضرب من القِطَران. ومواضع النقب: مواضع الجرب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤١٥