تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تَعَوَّدْنَ أنْ يعبَأْنَ مِسْكاً وعنْبَراً ... ذَكِياً وماعُوّدْنَ نَسْجَ الغرائرِ

إن ذم الحرف وامتهان أصحابها من قبل فئة من الجاهليين قد يعوقان التطور، ولكنهما لا يوقفانه؛ فالاشتغال بالحرف كان عنوانا بارزاً على تطور المجتمع القبلي، وإقبال فئة من أبنائه على الأعمال اليدوية التي تلبي حاجات الإنسان الجاهلي، وتحقق له الاكتفاء الذاتي، وقد اشتغل بتلك المهن رجال ونساء صرحاء((1))، واشتهر بذلك سكان الحواضر، ولاسيما في اليمن((2)).

إن الوجود الموضوعي لمهن يحتاج إليها الناس يوجب ظهور من يقدرها، ويحترم أصحابها، فقول امرىء القيس في وصف فرسه((3)):

لها جَبْهةٌ كَسَرَاةِ المَجنِّ ... حَذّقَهُ الصانِعُ المُقْتَدِرْ

يوحي بتقدير الشاعر، هو ملك، للعامل الحذق الذي أتقن صناعة المجنّ. وكان إعجاب عنترة بجودة صناعة سيفه مدعاة للدعاء للصانع بقوله: ((وأقول: لا تقطعُ يمينُ الصقيلِ))((4)) ولسبب مماثل قال الأعشى يصف سيفاً((5)):

أكبَّ عليه مِصْقَلَتَيهِ يَوْماً ... أبو عَجْلانَ يَشْحَذُهُ فَتَانا

فَظَلَّ عليهِ يرشَحُ عارضَاهُ ... يَحُدُّ الشّفرتيَنِ فَمَا ألانا

(1) انظر بعض الأخبار والأشعار الدالة على ذلك في المعارف ص575، ومعجم ما استعجم 1/22 وشعر النمر ص85، والأغاني 18/130.

(2) انظر بعض الأشعار الدالة على الحرف التي اشتغل بها أهل اليمن وأتقنوها في ديوان طرفة ص81، 119، وديوان عبيد ص114، وشعر عمرو بن معد يكرب ص199، وشرح ديوان كعب ص236.

(3) ديوان امرىء القيس ص165. وسراة المجن: أعلاه.

(4) شرح ديوان عنترة ص123.

(5) شرح ديوان الأعشى ص370. والمصقلة: ما يكشف به صدأ السيف. وعارضاه: صفحتا وجهه. وانظر امتداح أوس بن حجر (ديوانه ص15) لسيف أتقن صناعته ابن مُجَدّع.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤١٤