وفي مواجهة ذم الأغنياء للصيادين نجد شعراء فقراء تعاطفوا مع الذين اتخذوا الصيد حرفة يتعيشون بها، وذلك ظاهر في شعر هذيل((1))، فثمة لوحات شعرية كثيرة تظهر انتصار الصياد الفقير، وظفره بصيد يقتات به بأسلوب يوحي بالتعاطف معه((2)).
ومثلما كان الفقر سبباً في ذم فئة الصيادين المحترفين كان سبباً أيضاً في ذمّ فئة من الرعاة، وقد يثير الاستغراب أن يصدر ذمّ الرعي عن أناس عماد حياتهم تربية الحيوان، ولكن ذلك الاستغراب يتوارى إذا لاحظنا العلاقة بين ذمّ الرعي وانقسام المجتمع القبلي إلى فقراء وأغنياء؛ فالأغنياء أصحاب الإبل الكثيرة استخدموا الفقراء في الرعي، وظهرت في الشعر ألفاظ تدلّ على ذلك مثل (رعاؤهم((3)))و(راعينا((4))).
وكان افتخار بعض الجاهليين بالرعي يشبه افتخار أحيحة بن الجلاح وأمثاله من المزراعين الأغنياء بالزراعة، ولعلّ في قول عوف بن عطية التيمي يفخر بقومه الرعاة((5)):
ونَرْعَى مارَعَيْنا بين عَبْسٍ ... وَطَيّئها، وبين الحيٍّ بَكْرِ
وقوله يهجو رجلاً بأمّه الراعية((6)):
(1) سكنت هذيل مناطق جبلية، ولم تشتغل بالزراعة ولا بالتجارة، بل اكتسبت معاشها بتربية الحيوان، وباشتيار العسل، وبالغزو. انظر (الشملان- نوره، 1980م، أبو ذؤيب الهذلي: حياته وشعره، جامعة الرياض ص26).
(2) انظر شرح أشعار الهذليين 1/20- 24، 28- 32، 228- 229، 249- 250، 288- 291، و2/612- 616 وثمة أشعار هُذلية تحدث أصحابها فيها عن اشتيار العسل بطريقة توحي بالتعاطف مع الفقراء الذين يكسبون قوتهم بإعمال عقولهم وسواعدهم. انظر شرح أشعار الهذليين 51- 52، 143- 144، 180- 182، و3/1110- 1112، 1138- 1140.
(3) ديوان الشماخ ص143.
(4) شرح اختيارات المفضل 1/161.
(5) المصدر السابق 3/1378.
(6) المعاني الكبير 1/559. وأراد بعدل الأصرة: أن أمه كانت راعية تحمله على بعير، و تعدل به الأصرة. وسنام أكوم: عظيم.