إن خداشاً يتهكم على نبطيات تجمعهن للعمل في مزرعة، فنفوسهن هلعة مضطربة وأشكالهن مثيرة للسخرية، وقد تثير الشفقة؛ فأسنانهن متساقطة، ووجوههن لوحتها الشمس، فقشرت أنوفهن. ولعل خداشاً أراد المبالغة في الهجاء والتهكّم فقال: ((ترى صدورهم)) فعبر بذلك عن رغبته بتشبيههن بالرجال لافتقادهن الأنوثة، وزاد في سخريته إذ رسم صورة لهن وقد حسرن عن صدورهن، وشمرن عن سيقانهن لبيان مقدار جهدهن، وجدّهن في العمل الزراعي((1)).
إنّ فقر أصحاب المهن والحرف هو السبب الرئيس الذي جعل غيرهم يسخر منهم، ويذمهم، فاحتقار الأعراب للمهن التي يمارسها الحضر من الصرحاء وغير الصرحاء ليس تعبيراً مطلقاً عن معارضتهم لنمط حياة متطور، بل قد يكون تعبيراً عن إزدراء الأغنياء للفقراء، ويدلّ على ذلك المواقف المتباينة من الصيد والرعي، وهما مهنتان وثيقتا الصلة بالمجتمعات القبلية والبدوية.
كان الصيد وسيلة كسب رئيسة للإنسان قبل أن يبلغ مرحلة متطورة، استأنس فيها بعض الحيوانات، واستصلح الأراضي وزرعها. ولكن الإنسان الجاهلي لم يسقط الصيد من قائمة الوسائل التي يحصل بها على ما يأكله؛ فالجاهلي الغني كان يصطاد للهو والرياضة برفقة الأصحاب، وللاستمتاع بشواء ما يصطاد، والجاهلي الفقير كان يصطاد ليسكت جوعه، ويملأ بطون أفراد أسرته.
(1) افتخر خداش بن زهير (أشعار العامريين الجاهليين ص25 بأن قومه: ((ليسوا بزراعة عوجِ العراقيب)). وكأنه يريد أن يقول أن يقول إن من يعمل بالزراعة يفتقر إلى الجسم السوي المتناسق لأثر العمل فيه، أو لضعة أصله.