تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربّتَ غارةٍ أوضعتُ فيها ... كسحِّ الخزرجيِّ جريمَ تمْرِ

وكذلك الأوس، وكان لسيدهم أحيحة بن الجلاح بالزوراءِ ثلاثمائة ناضج (بعير أو ثور أو حمار يستقى عليه)! وفي اهتمامه بزراعة أرضه، الزوراء، يقول((1)):

إنّي مٌقيمٌ على الزّوْراءِ أعْمُرُها ... إن الحبيب إلى الإخوانِ ذو المالِ

فلا يَغُرَّنك ذو قُرْبى وذو نَسبٍ ... من ابْنِ عمٍّ ومن عَمٍّ ومن خالِ

كلُّ النداءِ إذا ناديتُ يَخْذُلني ... إلا ندائي إذا ناديتُ يا مالي

إن أحيحة يعمر أرضه بالزراعة، ويسعى إلى زيادة أمواله، وهو مدرك أثر البيئة اليثربية (الحضرية) في إعلاء شأن القيمة المادية على حساب عصبية الانتماء النسبي الصريح. ومن المنطقي أن أحيحة كان يستخدم، وأمثاله، عمالاً زراعيين كثيرين، ولكن ذلك لا ينفي إمكانية أن يباشر أحيحة الزراعة بنفسه أحياناً؛ فقد جاء في خبر الأبيات السابقة أن أحيحة دخل ((بستاناً له، فمر بتمرة، فلقطها))((2)).

ومن المرجّح أن الاعتداد بالزراعة لا يصدر إلاّ عن أناس ذوي ملكيات كبيرة، تدُرّ عليهم أموالاً كثيرة، وأن الذين يعملون بالزراعة بقوت يومهم كانوا موضع احتقار وتهكّم، وقد كثر وصف هؤلاء بأنهم نبط لا صرحاء، وبأن أشكالهم تدل على طول معاناتهم العمل الزراعي، وتبعث في النفوس ما يثير الضحك، يقول خداش بن زهير العامري يهجو قريشاً((3)):

كأنّكُمْ نَبَطيّاتٌ بمَزْرَعَةٍ ... قُشْرُ الأُنوفِ دراديرٌ داديرُ

ترى صدورَهُمُ سُمْراً مُحَسّرةً ... وفي أسافلهم نَشْرٌ وتَشْمِيرُ

(1) العقد الفريد 3/30- 31.

(2) العقد الفريد 3/30، وروي في (فتوح البلدان ص17) أن سعد بن أبي وقاص اتخذ مسحاة، فلم يزل يعمل بها في أرضه حتى توفي.

(3) أشعار العامريين القرشيين ص34. والدرادير: الذين ذهبت أسنانهم لكبر سنّهم. والدآدير: الذين يستترون خوفاً، ويتزاحمون بغير نظام خوفاً وهلعاً.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٠٦