وبعدُ، أكان باستطاعة الصعاليك أو بعضهم أن يتمردوا على الفقر بالعمل المنتج؟ بلى. ولكنهم لم يفعلوا، فلماذا؟ لأن الصعاليك الذين دار الحديث حولهم وعنهم بداة، تأسرهم قيم الحياة المتبدية التي تحتقر المهن والحرف، وترى أن امتهان الأعمال اليدوية أكثر مهانة من الاستخزاء باستجداء الأغنياء، وفيما يلي بيان لحال المنتمين إلى طبقة المهنيين والحرفيين.
***
4-أصحاب المهن والحرف:
إن أصحاب المهن والحرف ليسوا مستضعفين جميعاً؛ فقد أشير في الفصل السابق إلى أن العلاقة الجدلية بين الإنسان المستقر ومكان الاستقرار دفعت إلى الاشتغال والاهتمام بالزراعة والتجارة لتطوير إمكانات الاستقرار. وكان المشتغلون بالزراعة والتجارة أو المشرفون على شؤونها من الصرحاء، والسادة الأغنياء الذين افتخروا بالمكاسب التي تحققت لهم بالزراعة والتجارة، فعبروا بذلك عن قيم عارضها الأعراب، وذمّوا أصحابها، وحرصاً على تجنب التكرار ها هنا يكتفى بالاشارة المقتضبة إلى ما يدلّ على الموقفين المتعارضين في مجال الزراعة، فمن ذم الزراعة استنكارُ الأعشى أن يكون مزارعاً في قوله: “متى كنتُ زراعاً أسوق الشوانيا((1))))، وهجاءُ طرفة بن العبد تغلبَ لاشتغال نسائهم بالزراعة، في قوله((2)):
وعذاريكمْ مُقلِّصةٌ ... في دُعَاعِ النَّخلِ تجترمُهْ
ولكن بعض القبائل عملت بالزراعة، ومنهم الخزرج، وفي ذلك يقول دريد بن الصمة((3)):
(1) شرح ديوان الأعشى ص372. والشواني: الجمال التي تستخرج الماء من الآبار لسقي المزروعات.
(2) ديوان طرفة 77. والمقلصة: المشمّرة. والدعاع: نبت سوء يأكلونه، وأراد به هنا رديء التمر. وتجترمه: تقطعه.
(3) المعاني الكبير 1/53. والإيضاع: ضرب من السير السريع. والسحّ: الصبّ. والجريم: التمر المصروم. ويروى: كسح الهاجري (انظر ديوان دريد ص70) وقد وصف لقيط الإياديّ (ديوانه ص30) قومه بأنهم يحرثون الأرض.