تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا المرءُ لم يَبْعَثْ سَواماً وَلَمْ يُرَحْ ... عليهِ ولم تَعْطِفْ عليه أقارُبُهْ

فَللْموت خَيْرٌ للفتى مِنْ حياتِهِ ... فَقيراً ومِنْ مَوْلىً تدبُّ عقاربُهُ

إن الحياة الكريمة في رأي عروة أن يكون الإنسان ذا مال، وأن تعطف عليه أقاربه وإذا عرفنا أن الفقير يهون على أقاربه، ويبغضونه فسوف نتفهم الدلالة العميقة لحرص عروة على اكتساب الأموال، وهي الرغبة بالعودة الكريمة إلى رحاب الانتماء النسبي، فالجاهلي يبقى بحاجة إلى هذا الانتماء من أجل الحماية الفضلى التي تتحقق ظلال الانتماء النسبي، ولا تتحقق في ظلال الانتماء إلى طبقة الفقراء((1)).

وقبل الانتقال إلى صورة أخرى من صور المستضعفين أودّ الإشارة إلى أنّ التمرد على الفقر بالغزو لم يكن خيراً دائماً، ويكفي للدلالة على ذلك قول زيد الخيل الطائي((2)):

لعمركَ ما أخشى التصعلكَ ما بقى ... على الأرضِ قيسيٌّ يسوقُ الأباعرا

فالغزو لاكتساب الأموال لا يفرق بين غني بخيل وغني كريم إلا نادراً((3))، فكان التمرد على الفقر بالغزو سبباً في مظالم كثيرة، وفي إشعال حروب كثيرة.

(1) أقدم بعض الصعاليك، ولاسيما الخلعاء والأغربة، على غزو قبائلهم التي تنكرت لخلعائها وأغربتها، (انظر الشعراء الصعاليك ص114- 115). ولكن ذلك لا يلغي انتماءهم النسبي، فقيس بن الحدادية خلعه قومه، فأغار عليهم بجمع من الصعاليك، وحين علم بأن هوازن أغارت على قومه ثأر لقومه من هوازن، فأغار عليها، وافتخر بذلك. انظر أخباره وبعض أشعاره الدالة على استمرار ارتباطه وافتخاره به بعد خلعه في الأغاني 14/142- 149.

(2) ديوان زيد الخيل ص62.

(3) انظر الشعراء الصعاليك ص45- 48. وكان عروة إذا شكا إليه فتى من قومه الفقر أعطاه فرساً ورمحاً وقال: إن لم تستغن بهما، فلا أغناك الله، يا فتى! (انظر ربيع الأبرار 5/12).

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٠٤