تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان التمرد على واقع الفقر المؤلم محاولةً لإعادة التوازن إلى شخصية الفقراء ورفضاً للخلل الذي أصاب المثل الجاهلية بتقدم القيمة المادية أحياناً على غيرها، وبذلك يُفسَّرُ إعلان عروة أنّه((1)):

ما بالثراءِ يَسُودُ كلُّ مُسَوَّدٍ ... مُثْرٍ ولكنْ بالفَعالِ يَسُودُ

إنه يسعى إلى تصحيح التطور بالمحافظة على ما فيه خيرالمجتمع كله لا خير فئة قليلة، وقد رأينا محاولته تأكيد قيمة المساواة بين الناس، معبراً بذلك عن هواجس كثيرين أقلقهم التفاوتُ الطبقي، ومعاناةُ الفقراء، وإعراضُ بعض الأغنياء عن مساعدتهم((2)).

كان الانتماء إلى طبقة الفقراء، وأغلب الذين استشهدت بأشعارهم صرحاء، إضافة جديدة إلى الانتماء النسبي طورته، وأدت إلى التواصل بين جماعات نسبية متباعدة، وقد رأى يوسف اليوسف أن الفقراء المتمردين (الصعاليك) ((ظاهرة من ظواهر الانتماء إلى نحن جديدة. إذ باستطاعتي الافتراض أن الشرط الأسبق الذي يفضي بالصعلوك إلى الخروج عن قبيلته هو حاجته إلى إقامة نحْنِيّة جديدة نظراً لإخفاقه في مضمار التكيف مع عشيرته))((3)).

وأرى أن الصعلوك لم ينتم إلى نحن تناقض انتماءه النسبي؛ فالصعلكة لم تدفع الصعلوك إلى التخلي عن انتمائه النسبي((4))، بل إلى السعي لاكتساب ما يُقدره على التكيف مع عشيرته، فقائد الصعاليك عروة هو الذي يقول((5)):

(1) المصدر السابق ص48.

(2) عبر كثير من الشعراء عن رغبتهم بالتساوي بين الفقراء والأغنياء بقولهم إن الموت سيان فيه من تصعلك واقتنى. انظر الوحشيات ص110، وديوان شعر حاتم ص237، وديوان عدي ص56، 65، وديوان عبد الله بن الزبعري ص41.

(3) مقالات في الشعر الجاهلي ص213.

(4) لو أراد الصعلوك أن يتخلى عن انتمائه النسبي لما استطاع لأن إلغاء ما هو موجود وجوداً موضوعياً غير ممكن.

(5) ديوان عروة ص29. السوام: ما يرعى من الإبل والماشية. ويُراح عليه: ترد إبله إلى المراح.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٠٣