ولذلك عاش أغلب الصعاليك المتمردين في أجفان الردى، فغلب على مشاعرهم القلق، وجفاهم الإحساس بالأمان، يقول عمرو بن براقة الهمداني يخاطب امرأة كان يؤامرها((1)):
ألمْ تَعْلمِي أنَّ الصعاليكَ نومُهمْ ... قَليلٌ إذا نامَ الخَلِيُّ المُسالِمُ
وكانوا ينتقلون من مكان إلى آخر طلباً للكرامة إذا انْتُقِصَت بين الأقارب((2)):
وسائلةٍ: أي الرحيلُ؟ وسائلٍ ... ومَنْ يَسْألُ الصّعلوكَ: أين مذاهُبهْ
مذاهبهُ أن الفِجاجَ عريضةٌ ... إذا ضَنَّ عنه بالفعالِ أقاربُهْ
إن الصعاليك الذين انتزعوا أموال الأغنياء بسيوفهم كثرُ، ومنهم سادة مشهورون. ويبقى عروة فيما عرفنا علماً متميزاً؛ فهو رائد في مجال الإحساس بالمساواة، وبالمسؤولية تجاه الفقراء المعدمين، وإذا كان بعض الصعاليك ينسون الفقر والفقراء إذا اغتنوا، ومنهم جابر ابن ثعلب الطائي الذي يقول((3)):
كأنَّ الفتى لم يعْرَ يَوْماً إذا اكتَسَى ... ولم يَكُ صُعْلُوكاً إذا مَا تَمَوَّلاَ
ولم يَكُ في بُؤْسٍ إذا باتَ ليلةً ... يُناغِي غَزَالاً سَاجِيَ الطرفِ أكْحَلاَ
فإن عروة لا يشغله الغنى عن الفقراء، ولكنه يهرع إلى مساعدتهم، فيفتقر، ويعود من جديد إلى الغزو للحصول على المال. يقول عروة((4)):
إذا قلتُ: قد جاءَ الغنى حَالَ دُونَهُ ... أبو صِبْيَةٍ يشكو المفاقِرَ أعْجَفُ
له خَلّةٌ لا يَدْخُلُ الحقُّ دونَها ... كريمٌ أصابتُهُ خطوبٌ تُجَرّفُ
فإني لمستافُ البلادِ بسُربةٍ ... فَمُبْلِغُ نفسِي عُذْرَها أو مُطوِّفُ
(1) المصدر السابق ص100.
(2) ديوان عروة ص29. والفجاج: الطرق الواسعة بين الجبال.
(3) شرح ديروان الحماسة 1/305- 306. وساجي الطرف: فاتره.
(4) ديوان عروة ص107- 107. والخلة: الحاجة.وتجرف: تجرف ماله.