وإذا كان عروة بن الورد قد فاخر قيس بن زهير سيد بني عبس بقوله((1)):
إنّي امرُؤٌ عافي إنائيَ شِركَةٌ ... وأنتَ امرؤٌ عافي إنائِكَ واحدُ
أتهَزأُ مِنّي أنْ سَمِنْتَ وأن ترَى ... بوجهي شحُوبَ الحقِّ والحقُّ جاهدُ
أٌقسِّم جسمي في جُسومٍ كثيرةٍ ... وَأحسو قَراحَ الماءِ والماءُ بارِدُ
فإن دريد بن الصمة قد افتخر بما يشبه ذلك إذ قال((2)):
وإنْ تَسَألي الأقوامَ عنّي فإنّني ... لمُشْتَركٌ مالي، فدونَكِ فاسْألي
إنّ في لفظة عروة (شِرْكة) نزوعاً ((نحو حالة إنسانية نبيلة))((3)) وهذه اللفظة دلالتها تقرب من دلالة لفظة دريد (مشترك). وإذا كان عروة قد حرّض على انتزاع أموال الأغنياء من أجل صلاح حال الفقراء فذمّ الصعلوك الأنانيّ الطفيلي الذي يلتمس الزاد لنفسه بالسؤال، وحيّا الصعلوك الذي يتلألأ وجهه قوة وكرامة، وهو يسعى لانتزاع قوته بالغزو((4)) فإنّ حاتماً يماثل عروة في ذم الصعلوك المستخزي، وتحية الصعلوك المتمرّد((5)). ولذلك يمكن الادعاء بأن عروة الشريف لم يكن حالة فريدة؛ فالعصر الجاهلي زاخر بالرجال السادة الذين عانوا الصعلكة، وتمرّدوا على الفقر وكان اختيارهم أن يعيشوا أو يموتوا كرماء شعاراً يرفعونه، ويعملون بهدية، يقول الصعلوك عمرو بن براقة الهمداني، وكان صاحباً لتأبط شَرّاً((6)):
مَتَى تَطُلُبِ المالَ المُمنّعَ بالقنا ... تَعِشْ ماجداً أو تَخْتَرِمْكَ المخارِمُ
(1) ديوان عروة ص51- 52. والإناء العافي: الذي مُلِيء لبنا حتى فاض. والحقّ جاهد: الحق يجهد الناس، لأنهم يؤثرونه على النفس والعيال. جسمي: أراد طعامي.
(2) ديوان دريد ص96.
(3) مقالات الشعر الجاهلي ص37.
(4) انظر ديوان عروة ص70- 73.
(5) انظر ديوان شعر حاتم ص225- 227.
(6) قصائد جاهلية نادرة ص101.