تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واختار عروة عدداً من الفقراء المجتمعين بوادي ماوان فغزا بهم، وعاد بإبل، فحلب لهم، ثم حملهم حتى إذا دنوا من بلادهم وعشائرهم أقبل يقسم الإبل فيهم، وأخذ مثل نصيب أحدهم، واستخلص امرأة لنفسه، فلم يرضوا بذلك، حتى جعل المرأة ضمن القسمة، فساءه ذلك، فقال((1)):

إَلاَ إنَّ أصحابَ الكنيفِ وجدتُهم ... كما الناس لما أخْصَبُوا وتَمَوَّلوا

وإنّي لمدفوعٌ إليَّ ولاؤُهُمْ ... بما وإنّ إذْ نمشي وإذْ نَتَملَّلُ

لقد قام عروة بأمر أولئك الفقراء، فقادهم إلى ما يصلح به حالهم، وجعل نفسه كواحد منهم، فنُسِبوا إليه لقيادته لهم، ولعلّ عروة أراد أن يكون رائد حركة اجتماعية إصلاحية، تنتصف للفقراء من الأغنياء البخلاء الذين لا يؤدّون ما عليهم من حقوق، ولكن الظروف التاريخية كانت أقوى من جهوده؛ فأصحاب ماوان ((كانوا عاهدوه حين كانوا معه أن لا يفارقوه))((2)) ولكنهم غدروا به حين شبعوا، وقربوا من عشائرهم، فكانت حركته صيحة في وادٍ، تردد صداها فحسب. ومن ذلك الصدى وجود صعاليك هَمَّهم حالُ غيرهم من الفقراء؛ فتأبط شرّاً يؤثر فقيراً مثله بنعله الخلق، ويقول((3)):

وَنعْلٍ كأشلاءِ السُّمانَى نبذتُها ... إلى صاحبٍ حافٍ وقلتُ له انْعَلِ

وإيثار الصاحب بالنّعل له دلالة إنسانية عميقة إذا عرفنا ما يقاسيه من يمشي أو يجري حافياً في بوادي الجزيرة العربية وشعابها.

وممن أهمّه حال الفقراء فغزا لإطعامهم أثيلة بن المتنخّل الطانجيّ، وله يقول ربيعة بن الجحدر الهذليّ((4)):

وذَي إبِلٍ فَجّعْتَهُ بِخِيَارِها ... فَأَصْبَحَ مِنْها وَهْو أسوْانُ يَائِسُ

وحَيٍّ جِيَاعٍ قد ملأتَ بَطُونَهُمْ ... وأنطقتَ بعدَ الصمتِ مَنْ هُوَ ناكِسُ

(1) انظر المصدرالسابق ص119. وكما الناس: كالناس. وما زائدة.

(2) المعاني الكبير 2/853.

(3) ديوان تأبط شراً ص181. والسّماني: طائر صغير.

(4) شرح أشعار الهذليين 2/645- 646.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٤٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٤٠٠