خاطِرْ بنفسِكَ كي تُصيبَ غَنيمةً ... إنَّ الجلوسَ مع العيالِ قَبيحُ
فالمال فيهِ تَجلّةٌ ومَهَابةٌ ... والفقرُ فيه مَذّلةٌ وقُبُوحُ
ولكن الفئة الأكثر إنسانية ووعياً بين المنتمين إلى طبقة الفقراء هي فئة الصعاليك التي تمردت على واقعها المؤلم، وعملت جماعات من أجل الحصول على ما يسد رمقها، ويضمن استمرار حياتها، وطليعة هذه الفئة الشاعر الفارس عروة بن الورد، وهو واحد ((من الفِطر الفائقة التي تتجاوز عصرها، وتعلو عليه))((1))، فقد حمل عروة هموم الفقراء من أبناء قبيلته، وحمّل ذاته مسؤولية مساعدتهم((2)):
أيَهْلِكُ مُعَتمٌّ وزَيْدٌ ولم أُقِمْ ... على نَدَبٍ يوماً ولي نفسُ مُخْطِرِ
ومن الظاهر أن بني مُعَتّم، وبني زيد قد عضّهم الفقر بنابه، وأن عروة قد هاله ذلك، فأوجب على نفسه المخاطرة لإنقاذهم. وكان عروة يرى أن مساعدة المحتاجين حق واجب عليه، يدفعه إلى المهالك للحصول على الأموال التي يقضي بها الحقوق، يقول عروة((3)):
دَعيني أُطَوّفْ في البلادِ لَعَلّني ... أفِيْدُ غنىً فيه لذي الحقِّ محْمَلُ
أَليْسَ عظيماً أنْ تُلِمَّ مُلمَّةٌ ... وليس علينا في الحقوقِ مُعَوَّلُ
لقد جعل عروة الغزو ديدنه، فيوماً يغير على أهل نجدٍ، ويوماً يغزو بوادي الحجاز، أو يسلك شعاب الجبال للظفر بالأموال((4))، ولسان حاله يقول((5)):
(1) مقالات في الشعر الجاهلي ص40.
(2) ديوان عروة ص73. ومعتم وزيد: حيّان من عبس، قبيلة عروة. والنّدبُ: الخطر. ولي نفس مخطر: لي نفس أخاطر بها دونهم.
(3) المصدر السابق ص131.
(4) انظر المصدر السابق ص74. وافتخر تأبط شراً (ديوانه ص177) بأنه بغير يوماً على أهل المواشي من البداة، ويوماً على أهل المزارع من الحضر.
(5) ديوان عروة ص115- 116. والحيازيم: جمع الحيزوم، وهو ما اكتنف الحلقوم من جانب الصدر. والهجمة: ما بين الخمسين إلى الستين من الإبل.