إن احتجاج بعض الفقراء على قسوة الأغنياء بالموت اعتقاداً كان الوجه السلبي للتمرد على الواقع المؤلم، وثمة وجه آخر تمثل بالسعي إلى امتلاك الأموال بانتزاعها من الأغنياء غصباً بالغزو((1)). وللفقراء من انتزاع أموال الأغنياء عدّة غايات، فبعضهم غزا ليسدّ رمقه، ويسكت جوع عياله، ومنهم هذا الفقير الذي وصفه أبو ذؤيب الهذلي بقوله((2)):
وأشعثَ بُوشِيٍّ شَفينَا أُحَاحَهُ ... غَداتَئِذٍ ذِي جَرْدةٍ مُتَماحِلِ
أَهَمَّ بينِهِ صَيْفُهُمْ وشِتَاؤُهُمْ ... فَقَالوا: تَعَدَّ، واغزُ وسْطَ الأَراجِلِ
إنه فقير، كثيرالعيال، امتلأ صدره غمَّا وغيظاً، وأتعب بنيه قلة ما ينفقه عليهم، فحضوه على الكسب بالغزو فَقُتِل دون ذلك. وكان الأعلم الهذلي أسعد حظاً من ذلك الأشعث، فقد عاد الأعلم من الغزو، ونفسه مشوقة إلى لقاء أهله الذين أضرهم الفقر، وجعلهم يتطلعون إلى إحسان الأقارب((3)):
وذَكَرْتُ أَهْلي بالعَرَاءِ وحاجَةَ الشُّعْثِ التَوالِبْ
المُصْرِمِينَ مِن التّلادِ اللاّمحِيِنَ إلى الأقَارِبْ
وغزا بعض الفقراء رغبة في الغنى الذي يكسبهم الاحترام، وينفي عنهم ذلّ الفقر وهوانه. يقول النمر بن تولب على لسان زوجه تحضّه على الغزو((4)):
(1) كان بعض الفقراء لا يقدرون على انتزاع أموال الأغنياء بالغزو، فتحايلوا على انتزاعها خفية بالسرقة (انظر شرح ديوان لبيد ص235)، ولأن الجاهليين يعظّمون القوة والفروسية، ويأنفون من الغشّ، فقد ذمّ بعض الشعراء اللصوص. (انظر شرح ديوان الأعشى ص157، وشعر النابغة الجعدي ص69).
(2) شرح أشعار الهذليين 1/160- 161. والبوشيّ: كثير العيال. وأحاحه: ما يجد في صدره من الغمّ والغيظ. والجردة: البردة المنجردة، الخلق. ومتماجل: طويل. وتعدَّ: انصرف عنّا.
(3) المصدر السابق 1/315. والشعث: أولاده. والتوالب: الجحاش. شبههم لصغرهم بجحاش الحمير. والمصرمين: الذين لا مال لهم.
(4) شعر النمر ص49.