تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا يمكن القول بوجود طبقة من الفقراء في مواجهة طبقة الأغنياء في المجتمع الجاهلي، وبأن انتقال بعض الناس من طبقة إلى أخرى كان كثيراً ومباغتاً حدوثه، ومن الظاهر أن انقسام المجتمع إلى طبقتين: فقراء وأغنياء، وتلقي بعض الفقراء مساعدات من أناس بعيد نسبهم من الأدلة على أن إضافة الانتماء الطبقي على الانتماء النسبي قد طوّر الأخير، إذ سمح بالتواصل بين الجماعات المتباعدة، وبوجود اهتمامات للفرد الجاهلي تتجاوز إطار قبيلته لتلتقي مع قبائل أخرى؛ فالفقراء كانوا لفقرهم يستشعرون الذل والهوان، فارتضى بعضهم أن يسأل الأغنياء أعطوه أو منعوه، وأبى بعضهم أن يسأل تعففاً وتكرماً، ولكن للصبر على الفقر حدود، فهل واجه الفقراء مشكلتهم بغير الاستعطاف؟ وكيف؟

3-مجابهة الفقر:

ثمة فئة من الجاهليين استمرأت ذلك السؤال والاستعطاف حلا لمشكلة فقرها؛ فالواحد من هذه الفئة همه أن يملأ بطنه طعاماً وأمثاله ((قراضيبٌ (صعاليك، فقراء) يحبون الطعاما))((1))، وإذا كانت همة الفقير أن يحصل على الطعام ليأكل فقد ارتضى لنفسه أن يكون في درجة دنيا من الهرم الاجتماعي الجاهلي، وأن يكون غرضاً لسهام الهجاء والتقريع بمثل قول عروة بن الورد((2)):

لحَى اللهُ صُعُلوكاً إذا جَنَّ لَيْلُهُ ... مَضَى في المُشَاشِ آلفاً كُلَّ مَجْزَرِ

يَعُدُّ الغِنَى مِنْ نفسهِ كلَّ ليلةٍ ... أصابَ قراها مِنْ صديقٍ مُيَسَّر

ينامُ عِشَاءً ثمَّ يصبحُ طاوياً ... يَحُثُّ الحَصَى عن جنبهِ المُتَعِفرِ

قليلَ التماسِ الزادِ إلا لنفسِهِ ... إذا هو أَمْسَى كالعريشِ المُجَوَّرِ

(1) من شعر لحدير الهذلي في شرح أشعار الهذليين 2/879.

(2) ديزتم هروة ص70- 72. والمشاش: راس العظم اللين. ومُيسّر: غنيّ. والعريش: ما يستظل به، ويتخذ من الأغصان، أو سعف النخيل. والمجور: الساقط، المقوض. والطليح: المتعب. والبعير المحسر: الذي سر حتى انقطع سيره. ولحاتم أبيات مشابهه (انظر ديوان شعره ص226- 227).

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٩٥