رَأَيْتُ بَني لُبْنى عَلَيهمْ غَضَاضَةٌ ... بيوتُهُم وسطَ الحُلولِ التكنُّفُ
إنهم يغضون أبصارهم حياءً من الناس لفقرهم وينزلون في كنف من شجر إذ ليست لهم بيوت يأوون إليها وشكا الأفوه والأودي من ذل السؤال، فقال((1)):
وذقتُ مَرارةَ الأشياء جَمْعاً ... فَمَا طَعْمٌ أمرُّ من السؤالِ
إن السؤال مُرّ، بل شديد المرارة، ((إن الغنّي على الفقير عنيف))((2))، ولذلك آثر الفقراء المعتدون بأنفسهم أن يكرموها عن ذل السؤال بالصبر على الفقر، ومنهم حاتم إذ يقول((3)):
إذ قَلَّ مالي أو نُكِبْتُ بِنَكْبةٍ ... قَنَيْتُ حَيَائي عِفّةً وتَكَرَُّما
ولقد عانى بعض الفقراء مضاضة الجوع، فصبروا عليها، وعبر عدد من الشعراء عن ذلك، ومنهم عبيد بن الأبرص في قوله((4)):
لعمركَ إنني لأُعفُّ نَفْسِي ... وأسْتُرُ بالتّكَرّمِ من خَصَاصي
فإنْ خَفّتْ لجوعِ البَطنِ رِجْلي ... فَدَقَّ الله رِجْلي بالمُعاصِ
(1) ديوان الأفوه ص23.
(2) من شعر لسبيع بن الخطيم التّيميّ. انظر اختيارات المفضل 3/1522. ومن عنف الغني على الفقير أن الجاهلي كان يرى في قتل السادة مفخرة، لا يراها في قتل الفقراء الأذلاء. انظر شرح أشعار الهذليين 2/879.
(3) ديوان شعر حاتم ص274. وقنيت حيائي: لزمته. وافتخر عبيد بن عبد العزى السلامي (قصائد جاهلية نادرة ص122- 123) بأنه يستبقي بشاشة وجهه إذا مسّه العسر وأنه لا يسأل قومه العطاء- وأحربه ألا يسأل غيرهم- مخافة أن يبغضه قومه أم يمنون عليه أو يخضع لهم ويذلّ.
(4) ديوان عبيد ص78. والخصائص: الفقر والحاجة, والمعاص: التواء في عصب الرجل. وانظر ديوان عنترة ص127، وشرح أشعار الهذليين 3/1199- 1200.