وكثر في الشعر احتجاج النساء على مساعدة بعولتهم للفقراء خوفاً من الافتقار، ولطالما شكا الشعراء الأجواد من عذل نسائهم، وشدّة لومهن، وألمهن كقول عروة بن الورد((1)):
أفي نابٍ منحناها فقيراً ... له بطنابنا طُنُبٌ مُصيتُ
تَبيتُ على المرافِقِ أمُّ وهب ... وقد نام العيونُ لها كتيتُ
لقد تألمت أم وهب لأن عروة أعطى فقيراً مجاوراً ناقة مسنة، فأمضت ليلها تبكي ألماً وغيظاً ولكن زوج النمر بن تولب وصلت الليل والنهار، فبكرت تلومه، وتلحاه في بعير، وقد((2)):
عَلِقَتْ لَوّاً تكرّرها ... إنَّ لوّاً ذاكَ أعيانا
وإذا كان بعض الأغنياء قد ارتضوا أن يساعدوا الفقراء فإنَّ بعضهم الآخر قد ضَنّوا بأموالهم خوفاً من الافتقار، ويبدو أن الفقراء عانوا في الحالين من الذل والهوان، فالغني يعطي تكرّماً، إذ ليس في المجتمع شريعة تفرض العطاء وتحدّده، ولا سلطة تلزم الناس بوجوب الانصياع للأعراف الموجبة لإكرام الأغنياء للفقراء، ولذلك عانى أكثر المنتمين إلى طبقة الفقراء الشعور بالهوان، والإحساس بالصغار أمام المنتمين إلى طبقة الأغنياء، ومن الشعر الدال على ذلك قول عروة مصوراً ذلّ بني لُبْنَى((3)):
(1) ديوان عروة ص33. والناب: الناقة المسنة. والمصيت: الذي يسمع صوته في القرب. والكتيتُ: صياح البعير صياحاً لينا.
(2) شعر النمر ص120. ولوّ: لو مُشَدّة، والمشدّدة: اسم لا حرفٌ. وانظر لعذل النساء رجالهن على الانفاق أشعار العامريين الجاهليين ص40، وديوان شعر حاتم ص192، 217، 221- 222، 245، وشعر خفاف ص77، وشعر زهير ص238- 239 والوحشيات ص256، وقصائد جاهلية نادرة ص131.وديوان عمرو بن كلثوم ص65. وثمة رجال عنّفوا النساء على إنفاق الأموال. انظر عيون الأخبار 1/336.
(3) ديوان عروة ص108. والغضاضة:الذلة والمنقصة. والحلول: النازلون بالمكان. والتكنف: اتخاذ الكُنف. وهي حظائر من شجر.