تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الظاهر أن حاتماً يمدح في البيتين رجلاً يعطي الفقراء ابتغاء لوجه الله وحده، وأن حاتماً يُقِرُّ الممدوحَ على ذلك، ويشجعهُ لما في العطاء من كسب. ومن يعط لوجه الله لا يرجو إلا الأجر، والثواب في الآخرة. ويشبه ذلك قول المُثَلّم بن رياح المرّيّ((1)):

إنيّ مُقَسِّمُ ما ملكتُ فَجاعِلٌ ... أجراً لآخِرَةٍ، ودنيا تَنْفَعُ

إنه لجانب مشرق في الحياة أن يساعد الأغنياء الفقراء، سواء أكان الدافع واحداً مما ذكر أم أكثر، ولكن الأغنياء لم يكن موقفهم من الفقراء موحداً ولا متشابهاً، فبعض الأغنياء لم يساعدوا الفقراء، ولم يعطفوا عليهم، وإن في قول حاتم((2)):

أماوِيِّ إني لا أقول لسائِلٍ ... إذا جاءَ يوماً: حَلَّ في مالنا نَزْرُ

ما يوحي بذلك؛ فنفي حاتم عن نفسه أن يقول لسائل: (حلّ في مالنا نزر) يدلّ على وجود من يتعلل بهذا القول ضَناً بماله. وقد افتخر لبيد بأن قومه يحبهم الفقراء الذين يُدفعون من موقع إلى آخر((3)) وأشار ربيعة بن مقورم الضّبي إلى أثر الوضع المادي في تقطّع أواصر القرابة، إذ يحجم الأغنياء عن مساعدة أقربائهم الفقراء فيلتجئون إلى بعض الأباعد ليجدوا عندهم ما يصلح به حالهم، يقول ربيعة((4)):

وأشْعَثَ قَدْ جَفا عَنْهُ المَوالي ... لَقىً كالحِلْسِ ليس به زَماعُ

ضَريرٍ قَدْ هَنَأنْاه، فَأَمْسَى ... عَلَيهِ في مَعِيشَتِه اتّسَاعُ

(1) معجم الشعراء ص302.

(2) ديوان شعر حاتم ص199.

(3) انظر شرح ديوان لبيد ص136.

(4) شرح اختيارات المفضل 2/856- 857. والأشعث: المحتاج. والموالي(هنا): أبناء العم. واللقى: الشيء المطروح. وليس به زماع: ليس عنده فضل. وضرير: مضرور. وهَنَأْناه: أعيناه فصلحت حاله.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٩٢