وقوله((1)):
غَنِيناً زماناً بالتّصعْلُكِ والغِنَى ... كما الدّهْرُ في أيامِهِ العُسْرُ واليُسْرُ
والانتفال من حال إلى حال قد يأتي بغتة، يقول أحيحة بن الجلاح((2)):
وما يَدْرِي الفقيرُ متى غِنَاهُ ... وما يَدْري الغَنِيُّ مَتَى يَعيلُ
ولذلك ينبغي على الغني أن يكرم الفقير. يقول الأضبط بن قريع التميمي((3)):
لا تَحْقِرنَّ الفقيرَ عَلّكَ أنْ ... تركعَ يوماً، والدهرُ قد رَفَعُهْ
وكان حرص بعض الجاهليين على مساعدة الفقراء كبيراً. فأوصوا بمواصلة الفقراء
كقول أبي قيس صيفي بن الأسلت لابنه((4)):
أقَيَسْ إنْ هَلكتُ وأنتَ حيٌّ ... فلا تَعْدَمْ مواصلةَ الفقيرِ
وقوله((5)):
بُنَيَّ مَتَى هَلَكْتُ وأنتَ حَيٌّ ... فلا تُحْرِمِ فواضِلَك العديما
وعطاء الأغنياء لا يقتصر على الفقراء الأقارب بل يتعداهم إلى الأباعد الذين لا تربطهم بالمعطي آصرة ولا نسب، وقد جمع ذلك زهير في قوله يمدح هِرماً((6)):
وليسَ مَانعَ ذي قُربى وذي نَسَبٍ ... يوماً، ولا مُعْدِماً مِنْ خابطٍ وَرَقا
فهرم يعطي الأقارب، ويعطي المعدم الخابط، ومثل ذلك قول عبيد بن الأبرص يصف فتية من قومه((7)):
(1) المصدر السابق ص203. وانظر ديوان حسان ص147.
(2) جمهرة أشعار العرب ص255. وانظر شرح ديوان الحماسة 3/1137- 1139. وكان الخلع سبباً في افتقار بعض الصرحاء، وتصعلكهم. انظر الشعراء الصعاليك ص90- 101 .
(3) الأغاني 18/134. وانظر ديوان قيس ص139. وذكرت أم حاتم الطائي في شعر لها أن الجوع عضها عضّة فآلت ألا تمنع الدهر جائعاً (انظر عيون الأخبار 1/336).
(4) ديوان أبي قيس ص77.
(5) المصدر السابق ص88.
(6) شعر زهير ص72. والخابط: من خبطه بخير: أعطاه من غير معرفة بينهما. والخبط: طلب المعروف، والمخبط: الذي يسألك بلا وسيلة ولا قرابة ولا معرفة. انظر اللسان: (خبط). والورق ها هنا: المعروف.
(7) ديوان عبيد ص86.