تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والرغبة في اكتساب الحمد والثناء لا تحجب الجانب الإنساني، إذ من المستبعد أن يساعد الغني الفقير من غير أن يعطف عليه، ويشعر بقدر من المسؤولية تجاهه، وقد وصف العُريان بن سَهْلَة الجرمي ارتحاله إلى رجل جواد رغبة في العون على الفقر بأبيات منها قوله((1)):

فَقُلْتُ له: إني أَتَيْتُكَ راغباً ... بِذِ عْلَبَةٍ تَدْمَى، وإنّي امرُؤٌ عَانِ

فقال: ألا أهْلاً وسَهْلاً ومَرْحَباً ... جَعَلْتُكَ مني حَيْثُ أجعلُ أشْجَاني

فالرجل الجواد (الغني) تلقى الفقير بالترحاب، وقال له: أنت في قلبي الذي فيه همومي وأحزاني؛ وهذا الموقف من الفقير لا يفسر بالرغبة في اكتساب الحمد والثناء فقط؛ فالإحساس بالفقير، والألم لحاله ظاهران في قوله: ((جعلتك مني حيث أجعل أشجاني)).

وعطْفُ الأغنياء الإنساني على الفقراء وليد ظروف اقتصادية وأمنية مُضّطَربة، فما أسرع أن ينتقل الجاهلي من الغنى إلى الفقر، ومن الفقر إلى الغنى؛ فقد ينحبس المطر فيموت الزرع، ويجف الضرع. وقد يَصْبَحُ الأعداءُ الغنيَّ، فينهبون الزرع والضّرع، وتنقل بذلك الأموال بسرعة من يد إلى أخرى، فكثير من الأغنياء عانوا الفقر، وكانت معاناتهم من أسباب تعاطفهم مع الفقراء((2))، ومن الشعر الدال على انتقال من حال إلى حال قول حاتم الطائي((3)):

وعِشْتُ مع الأقوامِ بالفَقْرِ والغِنَى ... سَقَاني بكَأْسَيْ ذاك كِلْتَاهُما دَهْرِي

(1) شرح ديوان الحماسة 4/1628. الذعلبة: الناقة السريعة. والعاني: الفقير والمحتاج. وأشجاني: حاجاتي ومهماتي. وافتخر زُرْعَةُ بن عمرو (شرح ديوان الحماسة 4/1736) بأنه أكرمُ أرملة سيئة الحال فأضحت ((شريكَة من يُعَدُّ من العيال)).

(2) يقول يوسف اليوسف (مقالات في الشعر الجاهلي ص21): ((وقد لا نزوغ عن سمت الحقيقة إذا ما فَسّرنا الكرم العربي على أنه التعاطف مع الآخرين نتيجة للشعور بقسوة الحياة على الأنا)).

(3) ديوان شعر حاتم 239.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٨٩