قَطِيفتهُ هِدْمٌ ومأواهُ غِبةً ... إلى وِلْدَةٍ دُبْرِ الحراقف بُؤَّس
إن المختبط المذكور فقير، ثيابه مهلهلة، له ولدة غيّر البؤس ملامحهم، وأضعف أجسامهم، فالتجأ إلى قوم الشاعر يطلب العون على الفقر والمرض.
وكان موقف المنتمين إلى طبقة الأغنياء من المنتمين إلى طبقة الفقراء متفاوتاً بين العطاء والمنع؛ والعطاء ضرورة من ضرورات الحياة الجاهلية، ولاسيما في البوادي حيث تشتد حاجة الإنسان إلى مساعدة أخيه الإنسان في مواجهة قسوة الطبيعة وشُحَّها((1))، وقد أظهر أغلب الشعراء أن عطاء الجاهليين كان تعبيراً عن الرغبة في اكتساب الحمد والثناء، كقول لبيد((2)):
أَقِي العرْضَ بالمالِ التّلادِ وأَشْتَري ... به الحمدَ إنَّ الطالبَ الحمدَ مُشّتَري
وكم مُشْتَرٍ مِنْ مَالهِ حُسْنَ صِيتِهِ ... لأيّامه في كلِّ مَبْدىً وَمَحْضَرِ
أُباهي به الأكفاءَ في كلِّ موطنٍ ... وأقْضِي فروضَ الصالحينَ وأقتَرِي
(1) يرى إصلاح مصيلحي عبد الله أن كرم الجاهليين حق واجب، وضرورة وفطرة، وأن كرم الصحراء جبر لا اختيار فيه انتصاراً لمبدأ حق الناس بالحياة (انظر شعر الكرم الجاهلي ص69- 95). وافتخر لبيد (شرح ديوانه ص327) بأنه يعطي المال من لا يوده، ودلّ بذلك على أن العطاء قد يكون لشعور بالواجب لا غير.
(2) شرح ديوان لبيد ص46- 47. واقتري: أقري الضيوف. وانظر مثل ذلك في ديوان أبي قيس 71، وديوان طرفة ص140، وديوان عبيد ص23، وديوان شعر الحادرة ص52، وديوان شعر المثقب ص224- 226- 233، وشرح اختيارات المفضل 2/1067، وشرح ديوان الأعشى ص367- 368، وشعر زهير ص258، 280، وشعر النمر ص39- 41.