تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد برزت قيم جديدة تعبر عن تطور الحياة الاقتصادية، وهي تنتقل بالقبائل المتبدية من حياة تقوم على التنقل والرعي والغزو إلى حياة عمادها الاستقرار والزراعة والتجارة وأعمال يدوية متنوعة، وانقسمت التجمّعات الأبوية إلى أغنياء وفقراء، لكلّ منهم همومه المرتبطة بوضعه الماديّ، فتقدمت بذلك القيمة المادية على النسب وسُترت مناقب الفقراء وعيوب الأغنياء، وتقدم كثير من الأغنياء بأموالهم لا بأفعالهم، يقول عمرو بن مالك الضُّبِعيّ((1)):

أَتَيتُ بني عمروٍ ورهطي فَلَمْ أَجِدْ ... عليهمْ إذا اشتدَّ الزمانُ معوَّلا

ومنْ يَفْتَقِرْ في قومِهِ يَحمَدِ الغِنَى ... وإن كان فيهم ماجدَ العمِّ مُخولا

ويُزري بقعلِ المَرْءِ قلّة ماله ... وإنْ كانَ أقوَى منْ رجالٍ وأحْيَلاَ

فالنسب الصريح، والمؤهلات القيادية الذاتية تتراجع أمام الغنى، وقد تنبه أوس بن حجر إلى أن أكثر الناس أصبحوا يقدمون الغنى على النسب الصريح، وذلك في قوله((2)):

فإني رأيتُ الناسَ إلا أقلّهُمْ ... خِفَافَ العُهودِ يُكثِرونِ التّنَقُلا

بني أمٍّ ذي المال الكثير يَرَوْنَهُ ... وإنْ كانَ عبداً سيّدَ الأْمرِ جَحْفَلا

وَهُمْ لِمٌقِلِّ المالِ أولادُ علةٍ ... وإنْ كان مَحْضاً في العُمومةِ مُخْوِلا

فأكثر الناس تبدّلت قيمهم، فأكرموا الغني، وجعلوه سيداً وإن كان في أصل نشأته عبدا، وازدروا الفقير، وإن كان صريحاً نسبه. وأنبأنا مالك بن حريم الهمداني((3)):

(1) معجم الشعراء ص20. ونسب البيت الثاني إلى جابر بن ثعلب الطائي (انظر شرح ديوان الحماسة 1/305).

(2) ديوان أوس ص91. والسيد الجحفل: الكثير الأتباع. وأولاد علّة: بنو رجل واحد من أمهات شتى. وأشار عروة بن الورد (ديوانه ص89) إلى أثر الفقر في إضعاف عصبية الانتماء إلى النسب توشك ((صلاتُ ذوي القربى له أن تنكرا)) والفقير يجفوه الأقارب (انظرديوان عروة ص43).

(3) معجم الشعراء ص255. وانظر ديوان حسان ص89.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٨٥