إن الانتماء إلى طبقة السادة يمنح أصحابها شعوراً بالاعتزاز، والتمايز من عامة الناس بالمنزلة العالية التي ترفعهم درجات عن أولئك العامة. وكانت الرغبة بالانتماء إلى طبقة السادة حافزاً للناس كي يتخلّقَوا بالشمائل التي تؤهلهم لذلك، وأن يعمل السادة للمحافظة على امتلاك الشمائل التي أَهّلتهم للسيادة كيلا يفقدوا احترام الناس، ولئلا يهوي تهاونهم في أداء واجباتهم بهم من منزلة السيادة إلى ما دونها.
السادة طبقة اجتماعية وسياسية قادت المجتمع الجاهلي نحو الأفضل بصلاحها، ولكن فساد بعض أفرادها كان حاجزاً عاق تقدم الجاهلي، ولعلّ خير شعر جاهلي يبرز ما لطبقة السادة من أهمية في صلاح المجتمع أو فساده قول الأفوه الأودي((1)):
لا يصلحُ النّاسُ فَوْضَى لا سَرَاةَ لَهُمْ ... ولا سَرَاةَ إذا جُهَّالُهم سادوا
تُلْغى الأمُور بأهِلِ الرّشِد ما صلحتْ ... فإن تولوا فبالأشرار تنقاد
إذا تولى سراةُ القَومِ أمرهمُ ... نما على ذاكَ أمرُ القومِ فازدادوا
كيفَ الرشادُ إذا ما كنتَ في نَفَرٍ ... لهم عنِ الرُّشدِ أغلالٌ وأَقيْادُ
أعْطَوا غُواتهمُ جَهْلاً مَقَادَتُهمْ ... فكلهُمْ في حبال الغيّ منقادُ
إن الأفواه يدرك أهمية وجود قيادة للمجتمع، فبدونها يفقد الناس النظام، ويتخبّطون في مجاهل الفوضى، ولكنه اشترط أن تكون القيادة من سراة الناس لا من جهالهم؛ فبالسّراة تصلح أمور الناس، وتتطور حياتهم، وبالقيادة الجاهلة يسود الضلال، وتتتعطل قوة التطور.
(1) ديوان الأفوه ص10. ونسب البيت الأول إلى أبي الأسود الدؤلي. وسراة الناس: أشرافهم.