وكان انقياد بعض السادة وراء أهوائهم سبباً في جرّ الويلات على قومهم؛ فقد كان إصرارُ مالك بن العجلان الخزرجي، وكان سيد الأوس والخزرج، على إذلال الأوس وظلمها سبب اقتتال الحيين وتفرقهما، وله يقول عمرو بن امرىء القيس الخرزجي((1)):
يا مالِ والسيّدُ المعُمَمَّمُ قدْ ... يُبْطرُهُ بعضَ رأيهِ السَّرفُ
خَالَفتَ في الرَّأْيِ كلَّ ذي فَخَرٍ ... يا مَالِ والحقُّ غَيْرُ ما تَصِفُ
نحنُ بما عِنْدَنا وأَنتَ بَمَا ... عِنْدَكَ راضٍ والرَّأيُ مُختلِفُ
وتسبب ظلم بعض السادة في إقدام المسودين على قتلهم، وقد غدا مقتل كليب بن وائل مضرب المثل فيمن يظلم قومه، فيقتلونه؛ يقول عمرو بن الأهتم المنقري يخاطب بعض سادات قومه((2)):
وإنَّ كِليباً كانَ يَظْلِمُ قومَهُ ... فَأَدْرَكَهُ مِثلُ الذي تَريانِ
فلمَّا حَشَاهُ الرّمْحَ كفُّ ابن عَمّهِ ... تذكرَ ظُلْمَ الأهلِ أيّ أوانِ
وبناء على ما سبق يمكن الادعاء بأن بعض الرجال قد ظلموا قومهم، وبأنّ بعضهم قد تنكبوا سبل الرشاد في أحكامهم، وبأن المسودين كانوا يأبون الرضا بذلك، وقد عيبت بعض القبائل لأنها صبرت على ضلال ساداتها؛ فقد هجا مالك بن خياط العكلي بني نميز بقوله((3)):
وكلُّ قومٍ أطاعوا أمرَ مُرشدِهِمْ ... إلاّ نُميراً أطاعوا أمرَ غاويها
لا يهتدي لسبيلِ الخير مُصْلِحُها ... ولا يضِلُّ سبيل الغيّ ساريها
(1) ديوان حسان ص86- 87. وكان عمرو قد قضى بين الأوس والخزرج، فردّ مالك بن العجلان قضاءَه، ولم يرض به.
(2) العقد الفريد 5/214- 215. وانظر شعراً لخالد بن جعفر الكلابي العامريين في قتله لزهير ابن جذيمة العبسي، ربّ هوازن، في أشعار العامريين الجاهليين ص65.
(3) معجم الشعراء ص258- 259.