فالسيادة في القبيلة الواحدة لاتقتصر على رجل واحد بل على عدد غير محدد من الرجال هم سادة القبيلة وسراتها. فالقبيلة فيها سادة ومسودون، يقول عبد الله بن رواحة (1):
وما نَبْغي من الأَحْلافِ وِتْراً ... وَقَدْ نِلنا المُسَوَّدَ والمَسُودا
وكان المسوَّدون في كلّ قبيلة هم المسؤولون عن سياسية أمورها. وفي الأخبار المتصلة بمفاخر قريش الجاهلية ما يدل بوضوح على كثرة السادة في القبيلة، وعلى توزّع مسؤولية سياستها فيما بييهم (2)
إن إحساس الصرحاء بالتساوي في أصل نشأتهم جعل فرص الارتقاء إلى مرتبة السيادة ممكنة للكثيرين منهم، يقول حاتم الطائي مقرَّاً بتساوي أبناء العم، وبإمكانية ارتقاء بعضهم إلى مرتبة متميزة(3)؛
إذا أنا لمْ أَرَ ابنَ العَمِّ فَوْقي ... فإنيّ لا أَرَى ابنَ العَمِّ دُوني
ولكن كثرة السادة في القبيلة لاتنفي وجود سيد منهم يرأسهم في المجالس ويقودهم في المعارك، فإذا كان لكلّ بطن أو لكلّ عشيرة من القبيلة سيّدٌ، أو سادات فإنَّ للقبيلة كلها سيداً واحداً؛ فالقبيلة فيها سادة، ولهم رئيس، هو الأقدرر على القيادة منهم، يقول حُجْرُ بن خالد الثعلبي (4):
(1) -ديوان عبد الله بن رواحة ص91. وانظر ديوان العباس ص42-43، وقصائد جاهلية نادرة ص132، وديوان أبي قيس ص80 وفيه :" ولا المرعّي في الأقوام كالرّاعي ".
(2) -انظر شعر قريش ص33-35.
(3) -ديوان شعر حاتم ص276. والجاهلي قد يكون سيداً مطاعاً، ولكنه لايأبى أن يكون مسوداً طائعاً. انظر شرح أشعار الهذليين 3/ 1277، وديوان، شعر حاتم ص218، وديوان ابن مقبل ص154، وقد افتخر بعض الشعراء بكثرة السادة في أقوامهم. انظر شرح اختيارات المفضل 3/1633-1634، وديوان عبيد ص99-100.
(4) -شرح ديوان الحماسة 2/513. والثني: من دون الرئيس، ولكنه يليه في الرتبة. والبدء: السيد غير المدافع عن أوّلية سيادته.