إن افتخار عامر بأن قومه لم يسوّدوه وراثة يعني أن العُرف الجاهلي يوجب أن ينال الرجل السّيادة بأفعاله، ولايمنع وراثة السيادة إذا اقتدر الأبناء على امتلاك صفات السادة(1) .
وافتخار عامر يوحي بأن بعض الرجال ورثوا السيادة من غير أن يمتلكوا صفاتها وأن بعض الرجال نالوا مرتبة السيادة بغير حق. ولكن ذلك لا يشكل ظاهرة عامة بل حالات قليل وجودها ؛ فالسيادة في الجاهلية هي موضع اختبار دائم إن ظهور عجز عن تحمّل أعبائها قد يكون كافياً لانتقال قيادة القبيلة من شخص إلى آخر(2)، واقتدار أي فرد من الجماعة القبلية على تحمّل أعباء السيادة يمنحه الحق في أن يكون من طبقة الأسياد. ولعلّ الانتقال من طبقة إلى أخرى يفسر تسمية الذي يشرف وليس لآبائه شرف خارجيَّاً، في قول النابغة يمدح النعمان بن جَبَلَة الكلبي(3):
يَقُودُ هُمُ النُّعْمَانُ مِنْهُ بِمُحصَفٍ ... وَكَيْدٍ يَعُمُّ الخارِجِيَّ مُنَاجِدِ
وقد صرّح عديّ بن زيد بأن الإنسان النبيه يستطيع أن ينتقل من طبقة المسودين إلى طبقة السادة وذلك في قوله(4)
(1) -في كيان كل قبيلة أمران بارزان هما: البيت والعدد، ويراد بالبيت الأسرة التي تتبوأ مركز السيادة، وقد يجتمع البيت والعدد لأسرة واحدة، فتقوى بذلك سلطتها (انظر العصبية القبلية ص64)، واتصال الرئاسة بالوراثة مدة طويلة قليل في الجاهلية، فقد طلب النعمان بن المنذر السادة الذين لكّل منهم ثلاثة آباء متعالين رؤساء فلم يصب إلاّ أربعة بيوتات (انظر الأغاني 19/196-197).
(2) -انظر خبر تحول رئاسة الأزد عن الغطاريف وسيدهم الحارث بن عبد الله إلى بني سلامان وسيدهم مالك بن ذهل في الأغاني 13/235-236، وكذلك رئاسة ربيعة عن بني يشكر في معجم الشعراء ص39
(3) -ديوان النابغة ص169. والمحصف: الرأي والعقل المحكم. ومناجد: مقاتل، من النجدة، وهي الشجاعة والشّدة.
(4) -ديوان عدي ص105-106.