تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان اختلاف آراء السوقة بشأن الإذعان إلى سلطة ملكية تسوسهم من مظاهر إرهاص الانتقال من القبليّة إلى القوميّة، ومن الكيانات السياسية المبعثرة إلى كيان الدولة المركزية لقد سعى الملوك والسوقة بأساليب مختلفة إلى تجاوز عوائق التطور، ولاسيما واقع التشرذم، فنجحوا تارة، وأخفقوا أخرى، وكان نجاحهم توسيعاً لدائرة الانتماء الصريح بالحذف والإضافة ؛ فطاعة الملوك لاتلغي الانتماء النسبي، ولكنها تحدّ من غلوائه، وتمنحه فرصة تطوّر لاتتحقق في ظل الانتماءات النسبية المغلقة والمتصارعة.

2- السادة والمستضعفون

1-سادة ومسودون

إنّ انتماء جماعة إنسانية إلى نسب أبويّ متعارف عليه لايعني تساوي أفرادها في المنزلة تساوياً مطلقاً؛ فالظروف التي تواجه الجماعة في أثناء مسيرة حياتها المشتركة لابدّ أن تُظهر تفاوتاً في قدرات أفرادها ؛ فبعض الأفراد أقدر من غيرهم على إيجاد الحلول لمشكلات جماعتهم وعلى المشاركة في تجاوزها، وأولئك الأفراد القادرون يكسبون منزلة استثنائية تعظم بعظمة قدراتهم على مواجهة الظروف العائقة للتقدم.

لقد أظهرت الخطوب التي هدّدت أمن الجماعات القبلية تفاوت قدرات ابنائها على المواجهة، وفي ذلك يقول الأفوه الأودي مفتخراً بقومه(1):

كنَّا فوارسَ نَجْدَةٍ لكِنَّها ... رُتَبٌ، فَبَعْضٌ فوقَ بَعْضٍ يَشْفَعُ

إن فرسان قومه رتب في الحرب، وهي ليست مكتسبة إلاّ بالمقدرة على مجابهة الأخطار التي تهّدد كيان الجماعة القبيلة. ولكن الحرب ليست خطراً وحيداً يهدد الجماعات القبلية في الجاهلية، ولذلك لم يكن التفاضل بالفروسية إلاّ مظهراً من مظاهر التمايز بين الأفراد ؛ فالأزد قوم عبيد بن عبد العزى(2):

ملوكٌ وأربابٌ وفُرسانُ غَارةٍ ... يَحُوزونَها بالطَّعْنِ في كلِّ مَحْجَرِ

(1) -ديوان الأفوه ص19. وتشفع : تسعى في جلب منفعة أو دفع مَضَرّة.

(2) -قصائد جاهلية نادرة ص135. والمحجر: المكان الحرام.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٦١