إن لقيطاً ينكر مظالم عمرو، ولكن ذلك لايمنعه من الإقرار بفضل أبي عمرو بن هند، ومن المفاضلة بين الملوك، فخيرهم من يعفو عن رعيته، ويحلم عن هفواتها إن السوقة يرضون بحكم الملوك، ولكن بعضهم بل أكثرهم يأنفون الظلم(1):
إذا ما المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً ... أَبَيْنا أنَّ يُقِرَّ الخَسْفَ فِيْنا
ولقد أجمل جابر بن حُنَيّ التغلبي ما ذكر آنفا بقوله يهجو عمرو بن هند(2):
نُعاطِي المُلُوكَ السِّلْمَ ما قَصَدُو بنا ... وليس عَلَيْنا قَتْلُهُمْ بِمُحَرَّمِ
إنّ قوم جابر يسالمون الملوك، وماداموا يسيرون بهم سيرة حسنة عادلة، فإن حاد الملوك عن الحقّ خرج عليهم قوم جابر (السوقة) وقاتلوهم.
إن طبقة ملوك الجاهلية ليست شرّاً مطلقاً، ولكنها طبقة حكمت بالعدل تارة، فرضي بعض السوقة بالطاعة لها، وحكمت بالظلم أخرى فتمَردّ بعض السوقة عليها. وكان رفض السوقة لسلطة الملوك يرجع إلى سببين رئيسين: الأول تعَصّب بعض السوقة لانتماءاتهم النسبية الصريحة ورفضهم الانقياد إلى غير ساداتهم؛ والثاني عجز الطبقة الملكية عن امتلاك صفات القيادة السياسية القادرة على بسط سلطتها على القبائل، وعلى إقامة كيان سياسيّ موحد ومستقلّ عن النفوذ الأجنبيّ(3).
(1) -ديوان عمرو بن كلثوم ص100.
(2) -شرح اختيارات المفضل 2/952. وقصدوا : عَدَلوا.
(3) -من الإنصاف للطبقة الملكية الجاهلية الإشارة إلى تطور الوعي عند عدد من رجالها، ومنهم النعمان بن المنذر، وسيف بن ذي يزن، وعمرو بن جفنة الغسَّاني؛ فهولاء امتلكوا رؤية سياسية عميقة، وقاوموا التسلّط الأجنبي على العرب، وسنجد تفصيلاً لذلك في أثناء الحديثِ عن عروبة الجاهليين في الفصل الأخير من هذا البحث.