إن شدّة تمرد السوقة على الملوك تناسب شدّة ظلمهم، ومن الظاهر أنّ عمررو بن هند، وقد كثر التمرد عليه، كان من أكثر ملوك ملوك الجاهلية ظلماً للسوقة، وقد وصف المتلَمّس الحال في مملكة عمرو، فقال (1):
والظّلْم مَرْبُوطٌ بِأَفـ ... نِيَةِ البُيًوتِ أَغَرُّ أَبْلَقْ
إن ظلم عمرو ملازم كلّ بيت، ومشهور وظاهر. وكذلك وصف طرفة بن العبد حال الرعية في زمن عمرو بن هند الذي جعل لنفسه يوم بؤس، يركب فيه للصيد، فيقتل أول من يلقاه، ويوم نعمة، يقف الناس فيه بباب عمرو، فإن اشتهى حديث رجل أذن له، لقد تمنى طرفة أن يُستبدَلَ بعمرو نعجة كثيرة الدّرّ، فهي أكثر فائدة للناس منه، ثم قال لعمرو(2)
قَسَمْتَ الدّهْرَ في زَمَنٍ رَخِيٍّ ... كَذاكَ الحُكْمُ يُقْصِدُ أو يَجُورُ
لَنَا يومٌ ولِلْكِرْوانِ يَوْمٌ ... تَطيرُ، البائِساتُ، ولا نَطِيرُ
فَأمّا يَوْمُهُنَّ فَيَوْمُ نَحْسٍ ... تُطَارِ دُهُنَّ بالحَدَبِ الصُّقُورُ
وَ أَمَّا يَوْمُنَا فَنَظَلُّ رَكْباً ... وُقُوفاً ما نَحُلُّ و ما نَسيرُ
إنّ قول طرفة:" تطير البائسات ولا نطير" يختزل المعاناة من الظلم، ويظهر حسد طرفة للطيور؛ فهي، على ضعفها، تمتلكك فرصة للتحرر من ظلم عمرو بن هند بالطيران، وأمّا السوقة فلا يمتلكون مايمكنهم من الانطلاق بعيداً عن الملك.
إن أبيات طرفة السابقة لاتنفي إمكانية أن يطيع السوقة الملوك، فقوله " كذلك الحكم يقصد أو يجور" يعني أن السوقة عرفوا ملوكاً حكموا بالعدل، ويؤيد ذلك قول لقيط ابن زرارة يخاطب عمرو بن هند الذي حرّق بعض بني تميم(3):
لَعَمْرُ أَبيكَ أبِي الخَيْرِ مَا ... أَرَدْتَ بِقَتْلِهِمُ مِنْ صَوابِ
ولانِعْمَةً إنَّ خَيْرَ المُلُو ... كِ أَفْضَلُهُمْ نِعْمَةً في الرَّقابِ
(1) -ديوان شعر المتلمس ص253. وأبلق: في لونه سواد وبياض.
(2) -ديوان طرفة ص102-103 والحدب: ما ارتفع من الأرض في غلظ. والركب الراكبون، وهم العشرة فما فوقها.
(3) -النقائض 2/1087.