إن لبني بكر بن وائل قوم الحارث ثلاث خلال توجب لهم الحظوة عند عمرو بن هند كي يقضي لهم على تغلب، وموالاة البكريين للملك سياسيّة بإرادةٍ حرّة منهم، ويدل على ذلك قول الحارث لعمرو بن هند(1):
تَعَلَّمْ بِأَنَّ الحيَّ بَكْرَ بنَ وائل ... هُمُ العِزُّ لايَكْذِبْكَ عَنْ ذاكَ كاذِبُ
فإنَّكَ إنْ تَعْرِضْ لَهُمْ أو تَسُؤْهُمُ ... تَعَرَّضْ لأَقْوامٍ سِوَاكَ المذاهِبُ
إنّ إحساس الحارث بامتلاك الإرادة الحرة في موالاة الملك هو السبب في جرأته، وادعائه أن باستطاعة قومه أن يرغبوا عن الملك ويتحوّلوا عنه.
لإنّ السوقة يرضون أن يكونوا رعية حرةً لارعية مستعبدة، ولذلك اسُتهجن الخضوع لظلم الملوك كما في قول لقيط بن زرارة يُعَيّر بني مالك بن حنظلة، وكانوا يخدمون عمرو بن هند(2):
فَأَبْلِغْ لَدَيْكَ بَني مَالِكٍ ... مُغَلْغَلَةً، وَ سرَاةَ الرِّبابِ
فإنَّ امْرَأً أَنْتُمُ حَوْلَهُ ... تَحُفُّونَ قُبَّتَهُ بالقِبابِ
يُهينُ سَراتَكُمُ عامِداً ... وَيَقْتُلُكُمْ مِثلَ قَتْلِ الكلابِ
فَلَوْ كُنْتُمِ إبلاً أَمْلَحَتْ ... لَقَدْ نَزَعَتْ لِلْمِياه العِذاب
ولكنّكُمْ غَنَمٌ تُصْطَفَى ... وَيُتْرَكُ سائِرُها للذِّئاب
إن خضوع السوقة لظلم الملوك يجعلهم بمنزلة الغنم لضعفهم وهو ان شأنهم. وقد يعلل بعض السوقة قبول الظلم بعجزهم عن التصدي له،، ولكن المتلمس الضّبعي تحدث عن كون الارتحال حلاً يفضل الخضوع لظلم الملوك، ودعا بني بكر بن وائل إلى الاقتداء بمن ارتحل قبلهم، ثم قال لهم(3):
شُدُّوا الجِمَالَ بِأَكوَارٍ عَلَى عَجلٍ ... والظُّلْمُ يُنْكِرُهُ القَوْمُ المكاييسُ
(1) -المصدر السابق ص40.
(2) -النقائض 2/108
(3) -ديوان شعر المتلمس ص80. والأكوار: جمع كور، وهو الرَّحل. وانظر نصيحة النابغة لقومه بالارتحال عن منازلهم تجنبا لغزو الغساسنة لهم في ديوان النابغة ص80،92.