ويبدو من أخبار الجاهلية وأشعارها أن الصراع بين السوقة والملوك كان يمتدّ إلى أغلب البقاع التي عاش عليها الجاهليون، وأنّه كان صراعاً عنيفاً، يشمل الزمان الجاهلي، يقول بشامة بن الغدير(1):
مِنْ عَهدِ عَادٍ كانَ مَعْرُوفاً لَنَا ... أَسْرُ المُلُوكِ وقَتْلُها وَقِتَالُها
ولقد مَرّ بنا ما يدل على تنكيل الملوك بالسوقة، وقد قابل بعض السوقة الملوك بتنكيل مشابه، فحين قتل عمرو بن هند أخاً للرَّقبانِ الأسدي، أقدم الرقبان على سرقة ابنين لعمرو، وذبجهما، وقوله مفتخراً (2)
إنّا كذلكَ كان عادتُنا ... لم نُغْضِ مِنْ مَلكٍ على وِتْرِ
وهكذا نرى أنّ التمرد على الملوك اتخذ صوراً متعددّة، وإذا كانت العصبية القبلية سبباً في تمرّد السوقة على الملوك فإن الطبقة الملكية لم تمتلك المقومات اللازمة لتهذيب تلك العصبية من أجل الاقتدار على حكم السوقة وتوحيدهم. كان السوقة بحاجة إلى سلطة مركزية تمنحهم الأمان، وتحكم بينهم بالعدل، وتمنع ظلم بعضهم بعضاً، وتوسّع دائرة حريتهم ليتطوروا في ظلال الوحدة، وكان السوقة أحراراً تمور نفوسهم بالعزة والكرامة، وقد بلغوا درجة من النضج الحضاري تسمح لهم بقبول الانقياد إلى غيرهم انقياداً سياسياً يحفظ كرامتهم وحقوقهم، إنهم يرضون بتقديم الولاء للملوك، ويطلبون في مقابل ذلك القضاء العادل، يقول الحارث بن حلّزة يخاطب عمرو بن هند(3):
إنَّ عَمْراً لنَا لَدَيْهِ خِلالٌ ... غَيْرَ شَكٍّ في كُلِّهِنَّ البَلاءُ
مَنْ لنا عِنْدَه مِنَ الخيرِ آيا ... تٌ ثَلاَثٌ في كُلِّهِنَّ القَضَاءُ
(1) -شرح ديوان الحماسة 1/396.
(2) -معجم الشعراء ص19. وانظر افتخار الحارث بن ظالم بقتل طفل للنعمان بن المنذر في شرح اختيارات المفضل 3/1328-1331. ولقد تجرّأ بعض السوقة فأغاروا على الملوك (انظر ديوان عبيد ص116-117، وديوان النابغة ص149-150).
(3) -ديوان الحارث ص31.