ومن أخبار إقدام الأسر الملكية على القبول بالتبعية من أجل الإمساك بمقاليد السلطة الملكية خبر استعانة امرئ القيس بالروم لاسترداد ملك أبيه، وقد قال في ذلك مخاطباً قتلة أبيه (1):
مايُنكِرُ الناسُ مِنّاحينَ نَمْلِكُهُمْ ... كانوا عبيداً وكُنَّا نحنُ أَرْباَبا
إنّي سَأَمِلِكُكُمْ بالرّوم إذْ كَرِهَتْ ... غَسَّانُ نَصْري وكانَ الملكُ أَسبابا
أو تَرْجِعُونَ كما كنتمْ لنا خَوَلاً ... حَتَّى تَدِيْنُوا لَنَا طَوْعاً وإتْعَاباً
إن نظرة الملك الممنعة في احتقار السوقة إذ جعلهم عبيداً، وإقدامه على الرضا بالتبيعة إذ التجأ إلى الروم من أجل التسلط على السوقة وإذلالهم- من الأسباب الموجبة لتفكير السوقة بالخلاص من ذلك الملك، ولتفكيرهم بالاستقلال المطلق عن كلّ نفوذ، ولرؤية أحقيتهم بالقيادة، وقد عبرّ عن ذلك عبيد بن الأبرص الأسدي إذ قال يخاطب امرأ القيس (2):
أَزَعَمْت أَنَّكَ سَوْفَ تَأتي قَيصْراً ... فَلَتَهْلِكَنَّ إذنْ وَأَنْتَ شآمِي
نَأبَى عَلَى النّاسِ المقادَةَ كُلِّهِمْ ... حَتَّى نَقُودَهُمُ بِغَيْرِ زِمَامِ
ه- أن الطبقة الملكية كانت ترى أن البون شاسع بين منزلتها السوقة؛ وقد بلغ ذلك البون أقصاه في ادعاء بعض الملوك أن السوقة عبيد لهم، ومن ذلك أبيات امريء القيس الآنفة، وقوله أيضاً(3):
قُوْلاَ لِدُودانَ عبيدِ العَصَا ... ماغَرَّكُمْ بالأَسَدِ الباسِلِ
(1) -ديوان امرئ القيس ص 279. وفيه : إلىّ سأملككم، والصواب ما أثبتُّ.
(2) -ديوان عبيد ص 124. ومن التبعية للأجنبي تأمير أبرهة الحبشي لزهير بن جنَاب الكلبي على بني بكر وتغلب وتشدّده في أخذ الإتاوات منهم، مما دفعهم إلى محاولة اغتياله، وتعرضهم لذل الأسر والاضطهاد والسبي بعد ذلك (انظر الأغاني 19/21-24).
(3) -ديوان امرئ القيس ص119.