والمظهر الثاني تمثل في الغزو المتبادل بين الأسرتين، وقد ترك ذلك جراحاً في نفوس السوقة الذين عانوه ذلك (1)، ومن المنطقي أن تنفر النفوس المظلومة من الظالم، وأن تأبى التبعية له، وأن تقوى بذلك عوائق التوحيد(2).
إن الأصول النسبية المتعارف عليها للأسر الملكية المذكورة آنفاً ترجع إلى العرب القحطانيين، وهذا يعني أن اليمن هي منبت الأسر الملكية الجاهلية (3)، وكان حَريّاً بتلك الأسر أن تراعي أصولها المشتركة، فتسعى إلى التوافق، وتنبذ مايعوق ذلك، ولكن الصراع كان سمةً رئيسة للعلاقات بين تلك الأسر، وكان عجز أية أسرة منها عن حسم الصراع لصالحها من العوامل التي شجعت على ظهور أسر جديدة طامحة إلى الارتقاء إلى منزلة الأسر الملكية، وكانت أغلب الأسر الطامحة تنتمي إلى أصول شمالية، وبعضها جنوبية، ومنها أسّدَ ابن كُرز، وكان يدعى في الجاهلية ربّ بجيلة، وله يقول القتّال السُّحَمِيّ(4):
فَأبْلِغْ رَبَّنا أسَدَ بنَ كُرْزٍ ... بِأَنَّ النَّأْيَ لم يَكُ عَنْ تَقَالي
(1) -انظر بعض الأشعار الدالة على ذلك في ديوان عدي ص114، وديوان حسان ص192- 193، وديوان النابغة ص162-164. ويشبه ذلك التنافس بين المناذرة والأسرة الكندية (انظر ديوان امريء القيس ص200)
(2) 0ومن عوائق التوحيد بسبب تشرذم الطبقة الملكية الخلافات التي وقعت داخل أسرة الحيرة الملكية (انظر ديوان طرفة ص155-156، ومعجم الشعراء ص12. وكذلك الخلافات داخل الأسرة الكندية 0انظر الأغاني 12/245-250، والنقائض 1/452-457).
(3) -حين ملك وهرز اليمن، وقهر الأحباش كتب إلى كسرى" إني قد ملكت للملك اليمن، وهي أرض العرب القديمة التي تكون فيها ملوكها ".(الأغانيي 17/311).
(4) -الأغاني 22/7. ومنهم عمرو بن الإطنابه، وكان يلقب ملك الحجاز (انظر الأغاني 11/127)