تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأمّا ترغيب السوقة بالعطايا فقد أُشير آنفاً إلى نجاح الملوك في تأليف قلوب بعض السوقة بها؛ ولكن إمكانات الملوك المادية تعجز عن جعل العطايا شاملة للسوقة، ولذلك كان الترغيب بالعطايا وسيلة غير كافية لجعل السوقة ينضوون تحت ظلال السلطة الملكية؛ فكان انقطاع خير الملوك عن السوقة مدعاة لذمهم، والتمرد عليهم، لاعتقاد السوقة أن الملوك أغنياء، وأن عليهم أن يعطوا السوقة نصيباً من أموالهم. ومن الشعر الموحي بذلك قول المتلمّس الضبعي يهجو عمرو بن هند (1):

أَلَكَ السَّديرُ وَبَارقٌ ... وَمُبَايضٌ وَلَكَ الخَوَرْنَقْ

والقَصْرُ ذو الشُّرُفاتِ مِنْ ... سِنْدادَ والنَّخْلُ المُبَسَّقْ

والغَمْرُ ذُو الأحْسَاءِ والـ ... لّذَّاتُ مِنْ صَاعٍ وَدَيْسَقْ

وتَظَلُّ في دُوَّامَةِ الـ ... مَوْلُودِ يُظْلَمُها تَحَرّقْ

إنّه يستنكر أن يكون للملك كلّ ذلك، وأنّه بخيل، يتحرّقُ غيظا لو أُخِذَ من ابنه دُوّامة.

ومن مظاهر التمرد على الملوك لانقطاع عطاياهم أن لفظّ بن مالك الغسّاني هجا النعمان بن المنذر، فتمنى أن يمتلّك بدل النعمان ملك يجود بالعطايا، يقول الفظّ(2):

فَلَيْتَ لنا به ملكاً سِوَاهُ ... يُنَحِّلنا ويعطينا المتاعا

ب- أن الطبقة الملكية ربطت سيطرتها على السوقة بإجبارهم على دفع إتاوة معلومة؛ فكان خضوع السوقة للملوك مشوباً بالاستتغلال الذي يدفع المستغَلّين إلى التمرد على ملوكهم المُستغِلّين، فقد وجّه النعمان بن المنذر أخاه الرّيان إلى بني تميم حين امتنعت عن دفع الإتاوة له، فاستاق الرّيان النعم، وسبى الزراري، وفي ذلك يقول عمرو بن المُشمرَج اليّشكريّ يصف الذلّ الذي لحق بتميم لامتناعهم عن دفع الإتاوة(3):

(1) -ديوان شعر المتلمّس ص236-245. والسدير والخورنق: قصران. وبارق: ماء بالعراق. ومبايض: موضع. وسنداد: نهر. والمبسّق: المستوي حتى يصعد عليه اللقاط بالحبال. والغمر: موضع.

(2) -معجم الشعراء ص192.

(3) -المصدر السابق ص20

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٤٥