تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن شعور السوقة بأنّ الملوك أعلى منزلة منهم ساعد على إقرار كثير منهم للملوك بالطاعة، بل لقد رأى بعض السوقة في حكم الملوك لهم خلاصاً من تسلّط بعضهم على بعض؛ فحين تفاسدت القبائل النزارِيّة، أتى أشرافها ملك كندة، الحارث بن عمرو، فقالوا له:" إنّا في دينك، ونحن نخاف أنْ نتفانى فيما يحدث بيننا، فوجّه معنا بنيك، ينزلون فينا، فيكفّونَ بعضنا عن بعض، ففرّق ولده في قبائل العرب "(1) وهم خمسة، حجر، وشرحبيل، ومعد يكرب، وعبد الله، وسَلَمة، ملّكهم أبوهم على جلِّ القبائل النزارية(2) لقد كان الإقرار للملوك بعلّو المنزلة، وبالطاعة مظهراً من مظاهر تجاوز السوقة لعصبية الانتماء النسبي، وإرهاصاً يوحي باستعداد بعض الصرحاء للانتماء إلى نظام سياسي يتجاوز دائرة النسب، ويمنحهم الأمان، وفرص التطور غير المتاحة في ظلّ الانتماء النسبيّ الضّيق. وكان سعي بعض الملوك العرب إلى توسيع دائرة ملكهم على القبائل العربية مظهراً من مظاهر سياسة التوحيد بالقوة تارة، وباللين أخرى.

ولكن الملوك عجزوا عن فرض سلطانهم على السسوقة كلّهم، فلماذا عجز الملوك؟ وما مظاهر تمرد السوقة عليهم.

***

3- عجز الطبقة الملكية

يبدو للمتعجّل أن العصبية القبلية هي السبب الرئيس بل الوحيد الذي منع قيام دولة الوحدة في العصر الجاهلي؛ فالانتماء المتعصب إلى النسب الصريح يأبى فكرة انقياد الجماعة الأبوية إلى غير ساداتها ولكن النظرة المتأنية في الأخبار والأشعار الخاصة بطبقة الملوك تقود إلى الأقرار بافتقارها إلى مايمكنها من توحيد القبائل في كيان سياسيّ مُوَحّد. ويمكن إجمال عوائق اقتدار الطبقة الملكية على التوحيد فيما يلي:

(1) -الأغاني 9/99. وقيل : أتت بكر وتغلب تبعاً، فَملّك عليهم الحارث بن عمرو الكندي. انظر معجم ما استعجم 4/1363

(2) -انظر النقائض 1/452

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٣٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٣٤٢