مايبرز شدّة تَطَلّع السوقة إلى نيل منزلة الملوك وإلى الانتماء إلى طبقتهم فالشاعر يغالب عجزه عن العيش مثل الملوك المترفين بالهرب إلى عالم الخمرة، حيث يرسله خدر السكر إلى أحلام جميلة، ليعيش عيشة الملوك في أرجاء الخورنق والسدير. وإذا كان المنخَّل قد عبر عن تطلع فرديّ إلى بلوغ منزلة الملوك فإن حسان بن ثابت قد عبر عن تطلع جماعيّ في قوله(1):
وَنَشْرَبُها، فتتركُنا مُلُوكاً ... وَأُسْداً، ما يُنَهْنِهُنَا الّلقَاءُ
* إن السوقة - وقد رأينا تعصبهم لنسبهم الصريح- لايرون غضاضة في أن تكون طبقة الملوك- وإن بعد نسبها- نموذجا يتطلعون إليه، ويقدمونه على ذواتهم في المنزلة؛ فحجر بن خالد التغلبي لايتورع عن الإقرار بأن ملك الحيرة ليس كحزمة حزم، ولا كنائلة نائل(2):
سَمِعْتُ بِفِعْلِ الفَاعلينَ فَلَمْ أَجِدْ ... كَمِثْلِ أبي قابُوسَ حَزْماً ونائِلاَ
فَسَاقَ إلهي الغَيْثَ مِنْ كُلّ بَلْدَةٍ ... إليكَ فَأَضْحَى حَوْلَ بيتكَ نازِلاً
وملك الحيرة في قول الحارث بن حِلّزة(3):
مَلِكٌ أَضرَعَ البَرِيَّةَ لايُو ... جَدُ فيها لما لَدَيْهِ كِفَاءُ
قد أخضع الناس، فلا نظير له، وملك الحيرة أبرّ الناس ذمّة وأعزهم جاراً، ولذلك خاطبه النابغة بقوله(4):
بُعِثْتَ عَلى البَرِيَّةِ خَيْرَ راعٍ ... فَأَنْتَ إمَامُهَا، والناسُ دِيْنُ
(1) -ديوان حسان ص73. وينهنه: يكُفّ. وكان تشبه بعض السوقة بالملوك من غير أن يأخذوا بالأسباب المناسبة لذلك- مدعاة للسخرية. انظر ديوان النابغة ص147 والوحشيات ص62.
(2) -شرح ديوان الحماسة 4/1640.
(3) -ديوان الحارث ص29.
(4) -ديوان النابغة ص265.