لولا الهُمَامُ لَقَدْ خَفَّتْ نعامَتُهُمْ ... وقال راكِبُهُمْ في عُصْبَةٍ سِيروا
فحماية الملك (الهمام) لبني برد هي التي يجعلت قوم أوس يحجمون عن غزوهم وتشريدهم.
ومن الأقرار برفعة منزلة الملوك أنّ السوقة فخروا بضرب أكباد الإبل " إلى ملك لا إلى سوقة(1)"، وأنَّهم رأوا في الوفادة على الملوك شرفاً عظيماً، فتماجدوا به، كقول حسان (2):
وتزورُ أبوابَ الملوكِ ركابُنا ... ومتى نُحَكَّمُ في العشيرةِ نَعْدِلِ
واتخذت وفادة سادة السوقة إلى الملوك طابعاً اقتصادياً وسياسيَّاً؛ تتحقق به مصالحهم، فكانوا لايأنفون من أخذ عطايا الملوك، بل يرون فيها تشريفاً لهم، وتعظيماً لمنزلتهم، ومفخرة يعتزّون بها، ومن ذلك افتخار الحصين بن الحمام المرّي بأنّ فتيان قومه يلبسون في الحرب مِمّا كساهم به عمرو بن هند ملك الحيرة، يقول الحصين (3):
عَلَيْهِنَّ فِتْيانٌ كساهمْ مُحَرِّقٌ ... وكان إذا يَكْسو أجادَ وأكرما
صفائحَ بُصْرَى أَخلصَتْها قُيُونُها ... وَمُطَّرِداً من نَسْجِ داود مُحْكَما
وكان الحصول على عطاء الملوك أمنية تتطلع إليها النفوس الراغبة في الحياة المترفة، فمعشوقة المثقب العبدي تأبّت عليه فقال، محاكياً قولها عن تمنعها وسببه (4):
قالت: ألا لا يُشْتَرَى ذا كُمُ ... إلاّ بمَا شِئْنا وَلَمْ يُوجَدِ
إلاّ ببدْرَيْ ذَهَبٍ خَالصٍ ... كُلَّ صَبَاحٍ آخِرَ المُسْنَدِ
(1) -من شعر للخنساء _(ديوانها ص44) في رثاء أخيها صخر.
(2) -ديوان حسان ص125. وانظر مثل ذلك فيه ص88،195، وفي ديوان أوس ص 11، وشرح ديوان الأعشى ص213، وشرح ديوان لبيد ص9.
(3) -الأغاني 12/311. ومحّرق (هاهنا): عمرو بن هند. والمطّرد: درع تتابعت حلقاته واتصلت. وانظر أشعاراً ممائلة في ديوان بشر ص45، وديوان النابغة ص 212.
(4) -ديوان شعر المثقب ص12/13. وبَدْري ذهب: أراد بَدْرة، فقال بَدْر ثَنّى. والبدرة: كيس فيه ألف أو عشرة الآف.