كان العطاء إحدى وسيلتين استعان بهما الملوك لبسط سيطرتهم وسيادتهم على السوقة, وأمّا الثانية فهي القوة العسكرية الضاربة التي استخدمت في الغزو لقهر المعادين, والمتردين على السلطة الملكية (1)، وقد أدرك النابغة هاتين الوسيلتين: الترغيب والترهيب، إذ قال يخاطب النعمان(2):
فَمَنْ أَطاعَ فَأَعْقِبْهُ بِطاعَتِهِ ... كما أطاعِكَ، وادْ لُلْهُ عَلَى الَّرشَدِ
وَمَنْ عَصَاكَ، فعاقَبِهُ مُعَاقَبَةً ... تَنْهَى الظَّلُومَ، ولا تَقْعُدْ على ضَمَدِ
وكان الملوك يرأسون جيوشهم الغازية أحياناً لتثبيت دعائم ملكهم بالقوة والبطش، فقد غزا عمرو بن هند بكتبيته (دوسر) قومَ المثَقّب العبدي، فقال (3):
ضَرَبَتْ دَوْسَرُ فينا ضَرْبَةً ... أَثْبتتْ أَوْتَادَ مُلكٍ مُسْتقرّ
لقد أدرك المثقب غاية الملك من الغزو، تثبيت سلطانه على السوقة, وقد عّبّر النعمان بن المنذر عن غاية الملوك من سياسة البطش حيناً والرأفة حيناً آخر، بقوله، وقد عفا عن رجل ذكر أمّ النعمان بسوء، وهو لايعرفه(4):
تعفو الملوك عن العظيـ ... ـم من الذُّنوبِ لِفَضلها
ولَقَدْ تُعَاقِب في اليسيـ ... ـر، وليس ذاك لجهلها
إلاّ لِيُعْرَفَ فَضْلُها ... ويُخَافُ شدّةُ نَكُلِها
(1) -كان للملوك جنود يصطفونهم، فيلزمون خدمتهم، ويغزون معهم، وكانوا يلزمون كل جماعة خاضعة لهم بتقديم عشرات من الرجال أو أكثر ليغزوا مع الملوك إن أرادوا الغزو. انظر النقائض 2/884، والأغاني 9/99، وديوان الحاري ص30.
(2) -ديوان النابغة ص13-14. والضمد: شدّة الغضب والحقد. وانظر مثل ذذلك في شرح ديوان الأعشى ص302.
(3) -ديوان شعر المثقب العبدي ص74. ودوسر: كتيبة ممشهورة لملوك الحيرة. وثمة أشعار كثيرة تدل على قيام الملوك بالغزو انظر ديوان النابغة ص،82-83، 88-93،162 وديوان شعر حاتم ص181. وديوان علقمة ص43.
(4) -عيون الأخبار 1/100.