إن عطاء الملوك متمّزة، ومختلف عن كرم السوقة، فالكرم في أصل معناه" هو تقديم القرى للضيف، فهو بذل وعطاء يتمثلان في إكرام الضيف، أو قضاء حقّ السائل وحاجته، أو تفريج هَمّه وكربه" (1)، ولكن ما يقدمه الملوك هو عطاء، يشمل الكرم، ويزيد عليه كثيراً، فالملك يهب الدروع والخيل، والإبل والذهب، والقيان (2) وهذا العطاء يتجاوز وظيفة الكرم (إنقاذ المُكرَم من أزمة تعصف به)؛ إنه كرم ترفيهيّ فيه كثرة تزيد على الحاجة وإذا كان الشعر الجاهلي لا يذكر أرقام عطاء الملوك من الدروع والذهب والقيان بحيث يغيب عنا مقدار الكثرة فإن ذلك الشعر أشار إلى أن الملوك كان عطاؤهم مائة من الإبل، ومنهم النعمان الذي وصفه النابغة الذبياني بقوله (3):
الواهِبُ المِئَةَ الأبْكَارَ زَيَّنَها ... سَعْدَانُ تُوضِحَ في أَوْبَارِها الِّلبَدِ
وقد يَكون مع الإبل أولادها، و يدل على ذلك قول بشر بن أبي خازم يمدح عمرو بن الحارث الكندي(4):
والمانِحُ المئةَ الهِجَانَ بِأَسْرِها ... تُزْجَى مَطَافِلُها كَجَنَّةِ يَثْرِبِ
(1) -عبد الله-د إصلاح مصيلحي، 1993 م شعر الكرم الجاهلي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية ص13.
(2) -انظر ديوان الحارث ص50، وديوان امريء القيس ص308، وديوان بشر ص38، وديوان النابغة ص16-18، والأغاني 12/310، وشرح ديوان الأعشى ص301.
(3) -ديوان النابغة ص16. والأبكار: الإبل التي ولدت بطنا واحداً. وسعدان: نبت تسمن عليه الإبل وتعززُ ألبانها ويطيب لحمها. وتوضح: اسم موضع. واللبد: ماتلّبد من الوبر.
(4) -ديوان بشر ص39. والهجان من الإبل: البيض الكرام العتاق. وجنّة يثرب: يريد بساتين النخيل بيثرب، شبّه الإبل لكثرتها وعظمها ببساتين النخيل.