لقد أبرز بعض الجاهليين تعظيماً خاصاً للملوك إذ جعلوا سلطتهم مقررة بقضاء من الله تعالى، وزاد بعضهم في تعظيم الملوك، فَأسبغوا عليهم صفات مغايرة لصفات البشر؛ فقد نُسبب إلى علقمة الفحل مدح الحارث بن جبلة الغَسَّاني بقوله (1):
ولَسْتَ لإِنْسِيِّ، ولكنْ لِمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ
إنّه لكمال أخلاقه وفعاله لاينسب إلى الإنس، بل إلى ملاك تنزّل من أعالي السماء، إنَه وجود مغاير للبشر، فيه طهارة الملائكة، وقدسيّة التنزيل من السماء، ولا عجب- والأمر كذلك أن يكون دم الملوك حراماً (2) وأن يُعتقد بأنه شفاء للناس من الخبل(3).
ومن الإقرار بعظمة الملوك أن يوصفوا بالاقتدار على مايعجز عنه الناس؛ فقد افتخر السوقة وامتدحوا بالكرم، ولكن الملوك وصفوا بالكرم بصور خاصة، تدل على عظمة كرمهم المعجز، ومن ذلك قول النابغة الذبياني يصف عطاء النعمان(4):
فمّا الفُراتُ إذا جاَشَتْ غَوارِبُهُ ... تَرْمِي أَوَ أذِيُّة العِبْرَينِ بالزَّبَدِ
يَمُدُّهُ كَلُّ وادٍ مُتْرَعٍ لَجِبٍ ... فِيهِ حُطَامٌ مِنَ اليَنْبُوتِ والخَضَدِ
يَظَلُّ مِنْ خَوْفِهِ المَلاّحُ مُعْتصِماً ... بالخَيْزُرَانَةِ بَعْدَ الأَينِ و النَّجَدِ
يَوْماً بأجْودَ مِنْهُ سَيْبَ نافِلَةٍ ... ولا يَحُولُ عَطاءُ اليَوْمِ دُونَ غَدِ
(1) -ديوان علقمة ص118. وادّعى المثقب العبديّ _(ديوان شعره ص103) أن الله ينصر النعمان بن المنذر على كل من يظلمه.
(2) -انظر ديوان أوس ص47.
(3) -انظر الأغاني 15/308، وأشعار العامريين الجاهليين ص47.
(4) - ديوان النابغة ص22/24. وجاشت : فارت. وغواربه: أمواجه, وكذلك أواذيه.- والعبران: الشَّطآن. ولجب : ذو صوت. والينبوت والخضد: نباتان. والخيزرانة: السُّكّان. والأين: التعب. والنجد: العرق من الكرب. ونافلة: زيادة.