فالسوقة بين يديه يتفاخرون، وهو كالصقر اتزاناً ورفعة وجلالاً. وإذا كانت هذه الهيئة الملكية غير مستهجنة بل مطلوبة في شخص الملك فإنّ السجود للملوك كان مظهر استعلاء على السوقة، واستعباد لهم، فقد وصف النابغة الذبياني النعمان بن الحارث الغساني بقوله(1):
سُجُودٌ له غَسَّانُ يَرْجُونَ فَضْلَهُ ... وَتُرْكٌ ورَهْطُ الأَعجَمِينَ وَ كَابُلُ
ويؤكد ظاهرة السجود للملوك قول الأعشى يذكر عودة مظفّرة لملك يمانٍ، هو قيس بن معد يكرب (2):
فَلَمّا أَتَانا بُعَيْدَ الكَرَى ... سَجَدْنا لَهُ، وَ رَفَعْنَا عَمَارَا
وقد يكون السجود للملوك موضع شكّ؛ فالنفس العربية تأنف من ذلك، والنابغة والأعشى شاعران مَدّاحان، يتزلّفان لأصحاب العطايا، وقد يقولان ويفعلان مالا يُقدم عليه غيرهما. ولكن ذلك غير كاف لإنكار شعيرة تعظيم السوقة لملوكهم بالسجود ؛ فقد تكون من آثار الاتصال بالأمم المجاورة التي تعظم الملوك بالسجود، أو بقية اعتقاد قديم بقدسية الملوك التي توجب السجود لهم لإظهار التعظيم وللإقرار بالطاعة، وكلا ذلك قد كان؛ فاتصال العرب بالأمم المجاورة (الفرس والروم والأحباش) معروف، وأما تقديس الجاهليين للملوك فإن في شعر الجاهلية ما يدلّ عليه ؛ فالملوك تَبَؤَّأوا منازلهم بقضاء من الله، ومنهم النعمان بن المنذر الذي (خَصّهُ الله وارتضاه" (3) وفَضّله على الناسِ في قول عدي بن زيد يخاطبه(4):
أَجْلَ أَنَّ الله قدْ فَضَّلَكُمْ ... فَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلْباً بإزارِ
(1) -ديوان النابغة ص120
(2) -شرح ديوان الأعشى ص144. والكرى: النعاس. ورفعنا عمارا: رفعنا الريحان لتحية الملك. وللتحية بالريحان انظر المعاني الكبير 1/488
(3) -انظر ديوان عدي ص92.
(4) -المصدر السابق ص94. وأجلَ: منصوب على نزع الخافض. وأحكأَ: أحكم الشدّ.