وكانت (أبيت اللعن) تحية ملوك اليمن أيضاً (1)، ولأن السوقة لايحيُّون بها غير الملوك(2) يمكن القول بأن السوقة تعارفوا فيما بينهم على تعظيم الملوك. ومثل ذلك نعتهم الملك بالهُمام، لبعد همته، ولأنه إذا هَمَّ بأمر أمضاه (3). وقد خصّ الشعراء السوقة الملوك بهذا النعت حتى غدت لفظة (الهمام) مرادفة للملك، ومن ذللك قول النابغة يمدح عمرو بن هند (4):
فِداءٌ ما تُقِلُّ النَّعْلُ مِنِّي ... إلى أَعْلَى الذُّؤابَةِ لِلْهُمَامِ
وكان ملوك الجاهلية يرون أنفسهم أعلى منزلة من السوقة، فلا يظهرون أمامهم إلاّ في هيئة تضفي عليهم المهابة (5)؛ ومن الشعر الدال على ذلك قول لبيد يذكر مفاخرته للربيع ابن زياد بين يدي النعمان بن المنذر(6):
فانْتضَلْنا، وابنُ سَلْمى قاعِدٌ ... كَعَتِيق الطَّيْرِ يُغْضِي، وَيُجَلْ
(1) -انظر الأغاني 17/313.
(2) -انظر ديوان النابغة ص24و79.
(3) -انظر اللسان (همم). وفيه: الهمام: اسم من أسماء الملك لعظم هِمّته.
(4) -ديوان النابغة ص162. وانظر مثل ذلك فيه ص37،231، وفي ديوان أوس ص45، وديوان عبيد ص45 وديوان عدي ص56، وشرح ديوان لبيد ص 37، وقصائد جاهلية نادرة ص170. ومن الصفات التي تطلق على الملوك: سيد قومه(انظر ديوان النابغة ص56) وربُّنا (انظر ديوان النابغة ص232) وتلك الصفات تؤكد إقرار السوقة بعظمة منزلة الملوك وتوحي بالخضوع لهم.
(5) -كان جذيمة الأبرش لاينادم أحداً ذهاباً بنفسه، وكان يقول: أنا أعظم من أن أنادم إلا الفرقدين (انظر عيون الأخبار 1/274). ولعلّل شدّة احتجاب الملوك سبب تسمية الملك بالحصير وهو فعيل بمعنى مفعول، وإنما قيل له حصير لأنه محجوب (انظر المعاني الكبير 1/476)
(6) -شرح ديوان لبيد ص195. وسلمى: أمّ النعمان. وعتيق الطير: الصقر. و يُفضي: يطرق. وقد نعت حسان بن ثابت ابن سلمى بأنه صقر (انظر ديوانه ص195).